الأسد و السلام و المستقبل

تموز 3، 2000 / النهار

طرحت قضية السلام مع إسرائيل نفسها بقوّة بعد هزيمة تشرين الأول 1973. و كان موقف الأسد من محادثات السلام التالية لها و التي استمرّت سنين عدّة و تكلّلت بمعاهدة كامب ديفيد، متناقضاً بعض الشيء. فبينما فهم السادات فيما يبدو بأن الولايات المتّحدة الأمريكية هي المحرّك الأساسي للعبة في الشرق الأوسط و أنه لا يمكن التعويل على الاتحاد السوفييتي للحصول على الدعم اللازم للوقوف في وجه العدوان الإسرائيلي (فلماذا يدعم الاتحاد السوفييتي ذلك الكيان العقائدي دول تضطهد الحزب الشيوعي و تتذبذب في توجّهاتها السياسية بين الشرق و الغرب في حين يُسمح للحزب الشيوعي بالعمل بكل حرية في إسرائيل؟). أقول: بينما فهم السادات هذا الأمر بدا الأسد و كأنه إما لم يفهمه أو قرّر لسبب ما من الأسباب تجاهله. فما يمكن أن يكون هذا السبب؟

إن محاولات الأسد في الثمانينات لكي يصبح خليفة لعبد الناصر، مستغلاًّ العزلة العربية التي فُرضت على مصر نتيجة للجهود السورية، تقدّم بلا شكّ الجواب الذي نبحث عنه، لقد وضع حافظ الأسد طموحه الشخصي فوق الاعتبارات الوطنية (و هذا ليس غريباً، فالحاكم العربي ما زال ينظر إلى دولته و كأنها ملكية خاصّة)، فوجد في خيارات السادات الفرصة المناسبة لينفرد بزعامة تيار القومية العربية عن طريق “تخوين” الأخير و التمظهر بشخصية الزعيم القومي الذي يرفض التعامل مع العدو و التفريط بالمواقف و المبادئ و القيم. لكن الثمن الذي دفعته سورية بسبب طموح زعيمها كان إلى حدّ كبير أفدح من ذلك الذي دفعته مصر. 

إذ كان تحويل سورية إلى تابع سوفييتي، الأمر الذي بدأ منذ إحجام الأسد عن حضور مؤتمر جنيف في عام 1976، أسوأ تطوّر في تاريخ سورية المعاصرة على الصعيدين الداخلي و الخارجي، و لقد جاء كنتيجة حتمية لخيارات الأسد بعيد الحرب و أدّى بدوره إلى فرض حالة من العزلة السياسية على سورية و إدراج اسمها في لائحة الأمم المساندة للإرهاب. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى ساهمت عزلة سورية في خلق الظروف التي حوّلت نظام الأسد “الديموقراطي الشعبي” إلى نظام قمعي استبدادي من الدرجة الأولى كُرّس من خلاله الوضع الذي يجعلنا اليوم نغامر بأسس نظامنا الجمهوري في تجربة محفوفة بالخطر.

و عندما قرّر الأسد بعيد حرب الخليج الثانية أن يشارك في عملية السلام الجديدة مخرجاً بذلك سورية من عزلتها، لم يجئ قراره هذا نتيجة حنكة سياسية بقدر ما كان اعترافاً بالواقع الذي فرض نفسه مع انهيار الاتحاد السوفييتي. على أية حال، وجد الرئيس السوري نفسه هنا محاطاً بأشخاص غير قادرين على التعامل مع عقلية العالم الغربي (و الأسد نفسه كان يعاني من ذات المشكلة بالطبع) و بالتالي على ترويج الموقف السوري بثوابته المعروفة. إذ ما كان يمكن لأي مفكّر ليبرالي سوري  أن يبقى في سورية ناهيك عن أن يعمل في الحكومة في ظلّ الظروف الداخلية التي خلقها الأسد. و من ناحية أخرى، لم يخطر ببال الأسد، أو أي من رجالاته فيما يبدو، أن يرسلوا طاقماً من الشباب إلى الغرب ليدرسوا و يتدرّبوا استعداداً للحظة كهذه. إن التخطيط البعيد المدى لم يكن أبداً ميّزة للرعيل الأول للتصحيح. هذا و لقد ساهم أسلوب الأسد “الباطني” الطابع في التعامل مع شؤون الدولة في تعقيد الأمور. إذ لم يمكّنه هذا الأسلوب من التلويح بقضية مثل “الرأي العام” أمام الأنظار و استخدامها كورقة ضغط إضافية خلال المحدثات كما يفعل الإسرائيليون في الكثير من الأحيان.

إن بطئ سير عملية السلام إذن جاء نتيجة الافتقار إلى الكوادر اللازمة لإجراء المحادثات من جهة، و غياب الرأي العام من جهة أخرى، و لم يكن التشبث بالمواقف و المبادئ و الثوابت السبب الأوحد في ذلك كما يُشاع. و جاء الوضع الداخلي في إسرائيل و الانتخابات الأمريكية و اغتيال رابين و تعدّد و تشتّت المسارات كعوامل مساعدة أخرى. و لم يكن أمام الأسد من خيار في مواجهة هذا كلّه إلا اللجوء إلى ورقة الضغط اللبنانية من جهة (إلى أن تمكّن باراك مؤخّراً من إبطال مفعول هذه الورقة بخطوة رائدة من نوعها بالنسبة لقائد إسرائيلي) وورقة الرغبة الأمريكية الإسرائيلية ذاتها (و لعلّ هذه هي الورقة الأقوى و إن كنا نتجاهلها في معظم الأحيان) من جهة أخرى في إبرام معاهدة سلام لإنهاء حالة الجمود السائدة و ترسيخ وضع إسرائيل في المنطقة و فتح الطريق أمامها لتطبيع العلاقات مع الدول العربية بشكل خاص و دول المنطقة بشكل عام. إذ يجب أن لا ننسى هنا أن إسرائيل ما احتلّت ما احتلّته من أراض إلاّ بغية الضغط على العرب من أجل التوصل إلى القبول بها و من ثم تطبيع العلاقات معها. و يجب أن لا ننسى في هذا الصدد أيضاً رغبة إسرائيل في الحصول على المساعدات الأمريكية الضخمة في حال توقيعها لمعاهدة سلام مع سورية. إن توقيع معاهدة سلام مع سورية إذن ستجيء بمثابة إعلان رسمي لانتصار إسرائيل على العرب و بعودتها، في منظور الإسرائيليين بالطبع، لتزعّم هذه المنطقة من العالم بعد غياب دام أكثر من ألفي سنة. هذه هي الورقة الأخطر في عملية السلام، و هي الورقة الوحيدة المتبقية في يد سورية اليوم، لكن موضوع اللعب بها ليس بالأمر السهل أبداّ، و سنعود لهذا لاحقاً.

أما الآن، فدعونا نتوقّف مع قمة جنيف الأخيرة بين كلينتون و الأسد.

جاء الأسد إلى هذا اللقاء و قد فقد ورقة الضغط اللبنانية و حالته الصحية لم تكن تبشّر بخير و لم يكن رجالاته قد نجحوا عبر الجلسات السابقة في الترويج للموقف السوري خاصّة فيما يتعلّق بحقوق سورية في أمواه طبرية، و كانت الانتخابات الأمريكية علاوة على ذلك على الأبواب، و هذا وقت كما نعرف تختار فيه أمريكا دائماً مهادنة إسرائيل تقرّباً من اللوبي الصهيوني الذي يكثّف من نشاطاته في هذه الفترة الحرجة بالذات، و مع كل هذا، يقول الأمريكان لنا أن الصفقة التي عرضها باراك على الأسد كانت بالفعل معقولة بل و مغرية. إذ عرض باراك على الأسد الانسحاب من كل الجولان ما عدا عدة أمتار محيطة ببحيرة طبرية. ما معنى هذا؟ هل معناه أنه لن يكون لسورية أي حقّ في مياه طبرية؟ أم هل يتعلّق الموضوع بالسيادة فحسب مع إمكانية التوصّل لاتفاق فيما يتعلّق بالمياه فتبقى هكذا بحيرة طبرية تحت السيادة الإسرائيلية مع إمكانية منح سورية بعض الحقوق فيما يتعلّق بالمياه؟ تبقى الإجابات على هذه الأسئلة غير ممكنة في الوقت الراهن لعدم توفّر المعلومات الموثوقة. و كل ما نعرفه فيما يتعلّق بموقف الأسد حيال ذلك كله هو أنه اختار الانسحاب من اللقاء لأن الصفقة، حسب شهادة كلينتون ذاته، لم تؤمّن للأسد إمكانية السباحة في البحيرة.

بأي عقلية تعامل الأسد و رجالاته مع عملية السلام؟ هل تعاملوا بعقلية كل شيء أو لاشيء، أي إما كل الجولان أو و لا حتى شبر من الجولان؟ من الأدلة القليلة التي في حوزتنا بوسعنا أن نقول أن هذا هو ما فعلوه بالضبط. فهل كان هذا التصرّف حكيماً؟ في الحقيقة إنها لعقلية صبيانية تلك التي تتعامل بهذا الأسلوب مع مصالح الوطن. إن موقف سورية ضعيف فعلاً من الناحية العملية (و لندع اعتبارات العدالة و الأخلاق جانباً الآن و لنتكلّم من وجهة نظر “الريال بوليتيك” لأنا في الواقع بأمس الحاجة إليها اليوم)، لكن هذا لا يمنعها من التمسّك بثوابتها قدر الإمكان فتحاول الحصول على أفضل صفقة ممكنة، و هذا قد يعني القيام ببعض التضحيات أو التنازلات. فإن كان لابدّ من التضحية بحصّتنا من السيادة على بحيرة طبرية في مقابل الحصول على البعض الحقوق في مياهها و استرجاع الجولان بأسره باستثناء ذلك الشريط الضيّق المحيط بالبحيرة، و تحرير آلاف المواطنين السوريين من نير الاستعمار و السماح للنازحين بالعودة إلى ديارهم، فإنها لعمري صفقة يمكن قبولها و التعايش معها.

على الدكتور بشار إذن أن يحرّر نفسه و في أسرع وقت ممكن من نير سياسات أبيه و عليه أن يحاول أن يحصل على كل شيء، أي على كل الحقوق المغتصبة، أو أن يرضى في ظلّ الظروف الراهنة بما هو أقلّ. أما خيار اللاشيء فهو مرفوض حتماً لأنه يعني التخلّي عن الجولان و لا يحقّ لأي حاكم سوري أن يتّخذ هذا القرار. إذ أن احتمال خسارة الجولان بشكل نهائي، أي كما خسرنا اللواء من قبل، احتمال للأسف حقيقي جداً.

و الآن صار بمقدورنا العودة إلى ورقة الرغبة الإسرائيلية الأمريكية في السلام. إن هذه الورقة هي بالطبع في يد إسرائيل  أكثر مما هي في يدنا، تماماً كما كانت الحال مع الورقة اللبنانية. فإذا ما استمرينا نمضي على ذات النهج الذي خطّه الأسد سندفع بإسرائيل عاجلاً أو آجلاً إلى سحب هذه الورقة من يدنا كلّية، تماماً كما فعلت بالورقة اللبنانية، خاصّة في حال توقيعها لمعاهدة مع الفلسطينيين، فتقرّر التخلّي عن مجرى السلام مع سورية و تضم الجولان نهائياً إلى أراضيها متحجّجة بم ستسميه “بتعنّت” السوريين، و إن دعمتها أمريكا في مسعاها هذا، قل على الجولان السلام. و ستكتب على سورية العزلة من جديد.

هذه هي الخيارات و الوقائع التي يتوجّب علينا اليوم التعامل معها و لقد جاءت كنتيجة مباشرة لسياسات “حكيم الأمة” الراحل و حزبه و رجالاته، و ذلك الصمت المطبق لشعب هرم.