التهام الله (Theophagia)

الصيرورة البشرية بين الشرك و التنزيه

كان العرب قبل الإسلام يصنعون تماثيل من التمر لآلهتهم، يضعونها في بيتهم، يأخذونها معهم في ترحالهم، يحرقون لها البخور، يقدّمون لها الأضاحي، يتذلّلون لها، يقدّسونها و يتعبّدونها… و مع ذلك، كانوا لا يتوانون عن أكلها، عند الحاجة، تماماً كما يأكل المسيحيون جسد الرب و يشربون دمه و يلوك المسلمون كلمات قرآنهم.

فالناس في الحقيقة يعبدون إلاهاً هو ليس فقط قابلاً للإماتة و “التجييف”، بل هو بطبيعته ميت و قابل للاقتيات. إنه إله شهي الطعم. ربما لأنه مصنوع من أطايب ما طرأ على مخيلات البشر،و ربما لأن عملية الاقتيات بذاتها تمثل محاولة للمشاركة في بعض صفات الإله الأساسية، كالكمال و الخلود و كلية السيطرة، تماماً كما تنحو بعض قبائل الأمازون إلى التهام دماغ محاربيها الشجعان بعيد وفاتهم علّها تتحصّل على بعض ما كان لديهم من شجاعة.

لا يمكن لإله حيّ و منزّه أن يرضي احتياجات البشر. لابد للإله إن يخضع بشكل ما من الأشكال لرغبات و سيطرة “خلقه”، و لابد للخلق من الشرك.

إن الاصرار على كون القرآن كلمة الله الأزلية محض شرك، لكن موقف أغلبية الفقهاء المسلمين المؤيد له عبر التاريخ ، علاوة على الموقف الشعبي، هو أكبر دليل على تعارض عملية التنزيه مع احتياجات البشر الفعلية فيما يتعلّق بالقضايا الإيمانية. لقد كان المسلمون بحاجة إلى “لوك” شيء ما عوضاً عن التمر و الخبز، فكان أن حلّت الكلمة القرآنية، ذلك المعادل الإسلامي للمسيح (و للصنم)، محلّهما. و بذا تمّ تغييب الإله المنزّه لمصلحة الإله الناقص، و استعاد الناس إلهم المؤنسن و استمرّوا في اشباع نهمهم نحو الكمال المؤجل إلى الأبد.

لكن إماتة الإله كانت هزيمة أكثر منها نصراً. لأن تجييف الإله هو بمثابة تجييف للمبدأ و القيمة. و تجييف المبادئ و القيم هم بمثابة تجييف للحضارة القائمة عليهم. إن موت الحضارة الإسلامية جاء في خاتم المطاف كنتيجة حتمية لتقديس الكلمة عوضاً عن الله، أو لتفضيل الثابت على المتحوّل، و للمصلحة على المبدأ، الأمر الذي وضع حدوداً هائلة في وجه التأويل التحليلي (الذي يختلف عن التأويل الباطني)، و أدى فعلياً إلى وقف عملية الاجتهاد، فيما يتعلق بالأصول على الأقل.

و من هذا المنطلق، بوسعنا أن نجزم أن الشرك كان السبب الأساسي لموت الحضارة الاسلامية، لكنه بمفهومه الفلسفي و القيمي الأعمق من المفهوم الفقهي المتعارف عليه. إن أغلب الفقهاء و العلماء وفقاً لهذا المفهوم مشركون لأن أغلبهم ينتمي بشكل أو آخر إلى مدرسة تقديس الكلمة. 

إن إماتة الإله و التهامه عملية إشكالية يفضح من خلالها الناس عجزهم عن الارتقاء إلى المبادئ الأساسية التي يدّعون الإيمان بها. إن تفضيل المبدأ على المصلحة أمر طالما أعجز التجمعات البشرية، و لذا، فإن التهام الله هو مظهر أساسي من مظاهر المدنية، و لربما، بحسب رينيه جيرار  René Girard و إريك جانس Eric Gans و من نحا نحوهم من علماء الأنثروبولوجيا و الاجتماع، كان بدء هذه العملية هو نقطة انطلاق الحضارة المدنية الإنسانية.

و بذا، يكون الصراع بين الشرك و التنزيه (و لا أقول التوحيد لما ارتبط بهذا المفهوم من التباسات)، هو الصراع الأساسي الذي يحكم الصيرورة الإنسانية. لقد نشأ الشرك مع المدنية و بل ربما كان هو مسببها الأول، أما التنزيه فجاء نتيجة الخيبة التي نجمت عن فشل المدنية في تحقيق بعض التطلعات الإنسانية الأساسية كالعدل و الاحساس بالانتماء و الرغبة في رفع القيود المفروضة على الابداع.