إدارة المرحلة الانتقالية: مقترحات عامة لقيام ثورة الياسمين في سوريا

(النسخة الإنكليزية)

اتّصف نظام الحكم في العقود الأربعة الماضية من تاريخ بلدنا بالطابع الاستبدادي والفساد المستشري وسوء الإدارة الفاضح من جانب الزمرة العسكرية الحاكمة وأزلامها من المدنيين. وقد شهدت السنوات الخمس الماضية على وجه الخصوص نزعة مغامراتية سياسية واقتصادية من قبل حكامنا الحاليين، ممن يدعون الحرس الجديد، أدت إلى تضييق أكبر لدائرة الممسكين بزمام السلطة ضمن النظام. وفي الواقع، لا يخفى على أحد الآن أن عملية صنع القرار باتت مقصورة على عصبة صغيرة فاسدة تتمركز حول شخص الرئيس وأفراد عائلته وأصدقائه المقرّبين.

لكن التطورات الأخيرة في المنطقة، بما فيها قراري مجلس الأمن الدولي 1636 و1644، تحمل في طيّاتها إمكانية تقديم المساعدة لنا لتغيير هذا الوضع الموحش، مستغلّين الضغوط التي يتعرّض لها النظام واستمرار عزلته الدولية وفتح ملفاته القديمة المتعلّقة بممارساته القمعية والفاسدة في كل من لبنان وسورية ذاتها.

وبالفعل، يمكن لإدارة مناسبة لهذا الوضع أن تدشّن مرحلة جديدة في التاريخ المعاصر لبلدنا؛ مرحلة غنية بالبشائر والرقي، وقادرة على تمكين سوريا أخيراً من الانخراط في صفوف الدول المتطورة والديمقراطية.

لكن، ولكي نستفيد من هذه الإمكانية، فإن نشاطنا كمعارضة، سواء عملنا كأعضاء في أحزاب منظمة أم كناشطين مستقلّين، يجب أن لا يقتصر على إصدار البيانات والإعلانات العامة فقط، بغض النظر عن مدى ما تحمله من شجاعة وطليعية، كما يجب أن لا نبقى متخوّفين من العلاقة مع العالم الخارجي والقوى الرئيسية الفاعلة في المنطقة اليوم.

ففي الوقت الذي لا يبدو فيه منطقياً أن نعقد آمالنا في التغيير على مساعدة ودعم القوى الخارجية، فإن هذا لا يعني أنه بوسعنا تجاهل أو تحييد هذه القوى، بل ربما تنعكس محاولاتنا لتجاهل هذه القوى سلباً على مصداقيتنا وقدراتنا ككوادر قيادية.

لذا، ينبغي علينا في هذه المرحلة أن نتبنّى طريقة عمل أكثر مباشرة ووضوحاً وقدرة على مساعدتنا في إدارة الفترة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية، وعلى تمهيد الطريق نحو تغيير سلمي للنظام يكون عربوناً لحكم القانون والعمليات الانتخابية الضرورية التي طال انتظارها، وعلى إعادة تطبيع علاقة سورية بالمجتمع الدولي. هذا وحده يمكن أن يساعد اليوم على تفادي الاحتمال المتزايد للعزلة الدولية والعقوبات والانفجار الداخلي.

وفي الواقع، من المستبعد تماماً أن يستمر الوضع الراهن طويلاً في ظل هذا النظام الهش والمتفسّخ. إذ توضح المعاينة المتعمّقة للتطورات المختلفة خلال السنوات القليلة الماضية أن بقاء هذا النظام في السلطة، وليس الإطاحة به، هو ما يرجّح احتمال انحلال الدولة وسيادة الفوضى والغوص في مستنقع طائفي وإثني على غرار ما يجري في العراق.

وحسب ما تسعفنا به الذاكرة، فإن الصدامات بين مكونات الشعب السوري التي حدثت في ظل حكم الرئيس بشار الأسد، منذ مجيئه إلى السلطة في أيلول 2000، هي أكثر مما حدث في ظل حكم أي من أسلافه منذ ظهور دولة سوريا الحديثة في عام 1920. علاوة على ذلك، لم يحاول النظام الحالي معالجة أي من القضايا الرئيسية العالقة المسبّبة لكل هذه الصدامات على رغم وعوده المتكررة في هذا الصدد.

وفي غضون ذلك، ما يزال البلد بأكمله محكوماً بقانون الطوارئ الذي أُعلن أول مرة عام 1963. ومنذ الصدامات بين العرب والأكراد في آذار 2003، ما تزال المناطق الشمالية الشرقية محكومة بصورة مباشرة من قبل مختلف الأجهزة الأمنية أكثر مما هي محكومة مدنياً، ويعاني الأكراد على وجه الخصوص من وطأة القمع وتتزايد التوترات بين مختلف التجمعات الإثنية والطائفة هناك.

ورغم ذلك فإن السلطات المركزية، وبدلاً من فرض إرادتها، لا تزال تتحرك من خلال السياسيين المحليين وبما يسبب انهيار الترتيبات القائمة وتقوية يد المتطرّفين. في هذه الأثناء، تبدو السيطرة على الحدود الطويلة مع العراق غائبة فعلياً في هذه المرحلة. والسلطات المركزية ببساطة لم تعد قادرة على جعل المجموعات المحلية أكثر تعاوناً في هذا الصدد، دون القيام بمكافحة جدية للفساد ومعالجة جدية لعدد من القضايا الاجتماعية-الاقتصادية العالقة هناك واقتراح ترتيب سياسي جديد لحكم تلك المناطق بما يكفل استعادة ثقة وولاء مختلف مكونات البيئة المحلية. لكن لا يبدو أن قادتنا الحاليين لديهم أدنى فكرة عن كيفية القيام بهذا العمل. كما أن الإرادة الضرورية تبدو كذلك غائبة.

وهذا الوضع، الذي تعكس هشاشة النظام فيه هشاشة الدولة وتغذّيها في آن، يفرض العديد من التحديات الجدية على قابلية الدولة على الوجود. وقد سنحت للنظام القائم فرصاً وفيرة لإصلاح طرقه وتبنّي الإصلاحات الضرورية التي يحتاجها البلد، لكنه أخفق في القيام بذلك حتى الآن. وهذا ما يضفي مصداقية أكثر على الحجة القائلة أن النظام، بما فيه الرئيس الجديد، هو في الحقيقة جزء لا يتجزأ من المشكلة بدل أن يكون حلاً لها، وبالتالي هناك ضرورة للعمل على إزاحته، وإن بطرق سلمية.

هذا هو التحدي الرئيسي مستقبلاً، وما سيلي معدّ لعرض بعض المبادئ العامة الموجزة التي يمكن أن تساعد على بلورة خطة العمل الضرورية لمواجهة هذا التحدي بصورة فعالة مع ضمان استقرار البلد، والعمل على بناء دولة تسودها المعايير الديمقراطية وسيادة القانون وتُحترم فيها الحقوق المدنية الأساسية لجميع مواطنيها.

ولقد تتم إعداد هذه الورقة بعد دراسة معمّقة لتجارب الكثير من الدول التي مرت بعملية انتقال مماثلة، ولذا فهي تستند على بيانات مستنبطة من تجارب فعلية أكثر مما تستند على أطر واعتبارات نظرية. ومن المؤمل أن تقدم هذه المبادئ المساعدة للمعارضة السورية في إثارة جدلاً بناءاً حول الخطط والاجراءات العملية التي ينبغي تبنّيها في الأسابيع والأشهر الصعبة، بل الحاسمة، القادمة.

مسألة القيادة

القيادة موضوع معقّد جداً يصعب إعطاءه حقه في هذا السياق. ومع ذلك نحن بحاجة للتشديد على نقطتين غالباً ما تم تجاهلهما. تتعلق النقطة الأولى بضرورة التفريق بين الأدوار التي يقوم بها الزعماء “الروحيون” والإيديولوجيون من جهة، ودور الزعماء الشعبيين من جهة أخرى.

فالزعماء “الروحيون،” وبتحديد أكثر: مؤسسو وإيديولوجيو الحركات السياسية، قد لا يكونون بالضرورة أفضل من يمثّل أحزابهم أمام وسائل الإعلام والجمهور، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخصائص السكانية المتشابكة، بالإضافة إلى طبيعة وسائل الإعلام المعاصرة وتأكيدها على الصورة والمظهر العام.

إذ تكتسي عملية تسليط الضوء على “الصورة والمظهر السليم” وصقلها والحفاظ عليها أهمية عظيمة في الوقت الحاضر. وقد أدى العرض المتواصل لبرامج الترفيه الغربية وأخبار الأقنية الفضائية إلى وضع أصبح فيه شعبنا، رغم غياب التجربة الديمقراطيةفي البلد، لا يقلّ بالضرورة عن نظرائه الغربيين تطلّباً فيما يتعلّق باحترام أذهانهم من خلال الحفاظ على مظاهر وسلوكيات معينة على الأقل.

ولهذا السبب، يتوّجب على فصائل المعارضة إيلاء قضية المظهر والسلوك الإعلامي جدية أكثر من خلال الإبقاء على قيادة مزدوجة فيما يتعلق بالتنظيمات السياسية. وإذا كانت الشخصيات الكارزمية والملهمة تُولد ولا تُصنّع، فأن الشخصيات التي يمكن أن تجذب الجمهور وتحوذ على اهتمامهم وسمعهم غالباً ما تُصنع هذه الأيام. وفي غياب النوع الأول، لا عذر لعدم توفير النوع الثاني. إذ لايمكن لمعارضة بلا ملامح أن تلهم الناس، وكذلك هو حال المعارضة التي تقدم للناس أشخاصاً لا تناسب صورتهم العامة متطلّبات وسائل الإعلام البصرية وأذواق الطيف الأوسع من الناخبين، الذي يمثّل الشباب فيه النسبة الأكبر.

لمواجهة هذا التحدي، تحتاج فصائل المعارضة إلى استشارة خبراء المظهر والعلاقات العامة. فإعداد القادة واجب، ولا يمكن التعامل ارتجالياً مع هذه المهمة التي أصبحت علماً في الغرب منذ زمن طويل، وهناك الكثير من الشركات الدولية المستعدة لعرض مساعدتها وخبراتها في هذا المجال.

النقطة الثانية تتعلق بالدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه التكنوقراطيون في توفير الرؤية الضرورية لتأسيس مختلف برامج الأحزاب السياسية. ونحن في المعارضة نركّز غالباً على الحفاظ على لعبة القط والفأر مع السلطات إلى حد نهمل معه ضرورة امتلاك برامج واضحة في أغلب الأحيان. ولسوء الحظ، ليس هناك من تعاطف شعبي كبير مع مأزقنا يمكنه أن يساعدنا على توليد الدعم الشعبي الضروري الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه، حركات ومنظمات وأحزاب. فالدعم الشعبي يتطلب تنظيماً ورؤية وحسن تقدير ومقدار كاف ومقنع من الاحترافية.

لهذا السبب، يحتاج قادة المعارضة إلى إحاطة أنفسهم بمحترفين أكفاء قادرين على تقديم العون من أجل خلق ثقة شعبية بالمعارضة. ويجب تقسيم هؤلاء المحترفين إلى لجان وتفويضهم بالشروع في دراسات خاصة حول مختلف القضايا الشائكة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية. 

ويمكن لهذه الدراسات التي يقدمها هؤلاء المحترفون أن توفر لفصائل المعارضة خطط عملية وتوصيات معينة لمواجهة بعض التحديات الرئيسية التي تهدد البلد، الأمر الذي عجزت الحكومة عن أن توفره لنفسها حتى مؤخراً، حيث أصبح الإعلان عن خطط نوع من الموضة أو التقليع عند بعض المصلحين العاملين مع الحكومة.

وليس مطلوباً من خطط ودراسات المعارضة أن تكون كاملة وشاملة في هذه المرحلة (ففي المحصلة ليس هناك خطط ناجزة إطلاقاً)، بل يكفيها أن تتفادى المبالغات والأخطاء الموجودة في المخططات الحكومية وأن تكون أكثر قدرة على التلاؤم مع جوهر المطالب والطموحات الشعبية، لتصبح مصدراً رئيسياً للجذب والمصداقية والشرعية. وفي الواقع، يتوجب علينا أن نؤسس حكومة موازية والعمل على نيل استحسان ودعم شعبي لبرامجها ورؤيتها العامة من أجل البلد ومستقبله.

الرؤية

لا يمكن الحصول على حركة تقدمية فاعلة دون الاستعانة برؤية، مهما كانت أولية في بادئ الأمر. فالرؤى ضرورية لإعطاء إحساس بالسياق للناس، إحساس من الاستمرارية والتوجه، إحساس بالألفة وإطار تتحدد به الهوية .. بوصلة شاملة.. وباختصار إحساس حقيقي من الأمل بالمستقبل.

سيوافق معظم المراقبين العقلانيين على أن “الرؤية” هي بالضبط ما افتقدناه خلال السنوات الخمس الأخيرة. قبل ذلك، ساعد الوعد الذي مثلته عملية السلام (قبل انهيارها عام 2000) على توفير رؤية لتلك الفترة المبكرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، راعي نظامنا سابقاً. وقد بدا أن عملية السلام جاءت كجزء من الانفتاح العام على أوروبا والولايات المتحدة أيضاً، مع كل الحوافز الاقتصادية المحتملة المنتظرة.

صحيح أن عملية السلام انهارت قبل وصول بشار ومجموعته إلى السلطة، لكن الزمرة الحاكمة فشلت في فهم انعكاسات ذلك على الحالة الوطنية. كما أنها فشلت في فهم تأثيرات الإنهاء السريع لربيع دمشق عام 2001 دون أية محاولة للتسوية، وفي استيعاب أن الإصرار على الاحتفاظ بالسيطرة التامة لا يتناسب مع روح العصر ببساطة. والأهم من ذلك هو فشلها في إرواء ظمأ متزايد لأمل جديد كان يلوح في الأفق.

وإذا أصبح من المتعذر بناء الأمل على عملية السلام، فيجب أن نبنيه على رؤية معينة اقتصادية وسياسية للإصلاح الداخلي. فالبلد لا يمكن أن يُحكم لفترة طويلة بدون أمل، خصوصاً في أوقات الأزمات عندما تتوقف مصداقية القائد على قدرته على توليد مثل هذا الأمل، ناهيك عن إنجازه فعلياً، مهما كان جزئياً.

لكن ما عجز النظام السوري عن تقديمه آنذاك ولا يزال عاجزاً عن تقديمه حتى الآن، علينا نحن كمعارضة أن نقدمه. فنحن مطالبون بتقديم رؤية لمستقبل سوريا. وإذا استطعنا فعل هذا، فسنكون قد حققنا قفزة هائلة على طريق اكتساب المصداقية والشرعية الشعبية.

لا تحتاج الرؤية إلى الكثير من التعقيد. فالدستور الذي عرضه زميلنا أنور البني منذ فترة، مع نسخة معدلة من إعلان دمشق تسمح للأخير أن يتخذ شكل ميثاق وطني أكثر احتراماً للتنوع الذي يعرفه الوطن يمكن أن يوفرا الإطار النظري الضروري للرؤية المنشودة، والتي ينبغي أيضاً شرحها والدفاع عنها وإغناءها بالتفاصيل عبر مقالات ومقابلات واتصال مباشر مع الجمهور.

علاوة على ذلك، يجب على الرؤية أن توحي بالأفعال المطلوبة، بما فيها، كما ورد سابقاً، تشكيل لجان مخصصة لمعالجة قضايا محددة، مثل الأوجه المختلفة للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، قضايا السياسة الخارجية، عرض لعملية السلام، الدور الجديد لسوريا في المنطقة وعلاقاتها مع جيرانها والمجتمع الدولي .. إلخ.

إن عمل مثل هذه اللجان ووجود خطط فعلية تهدف إلى انتشال البلد من مستنقعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي هو بحد ذاته شرارة الأمل التي ينشدها شعبنا والتي ستساعد الأحزاب على توفير المصداقية والشرعية المطلوبة. ويجب علينا كمعارضة الاستفادة من هذا، خصوصاً إذا نسّقنا عملنا بالتعاون مع المنظمات الدولية.

إن الإحساس بالجديد الذي يمثله هذا المسعى هام للغاية. لقد اعتاد الناس على أن الحكومة هي التي تتولى مثل هذه المبادرات، وبالتالي فإن رؤيتهم للمعارضة تطرح مبادراتها في هذه المرحلة ستفيد في تعميق أزمة النظام وتفقده المصداقية، لاسيما إذا حاول أن يوقف أو يعرقل مثل هذه المساعي. عملياً، تقوم المعارضة من خلال هذه التحرّكات بتشكيل حكومة موازية في داخل الوطن وليست حكومة منفى.

وستساعد مثل هذه المبادرات أيضاً أحزابنا وحركاتنا على اكتساب أفكار معينة من أجل برامجنا؛ البرامج التي نحن بأمس الحاجة إليها كي نستحق صفة أحزاب سياسية.

الانتشار

يجب صياغة استراتيجية محددة للوصول إلى مختلف مكونات الشعب السوري؛ استراتيجية تتضمن أيضاً محاولات للوصول إلى شخصيات عسكرية وبعض شخصيات النظام المعروفة بتوجهها الإصلاحي.

يجب على الرسائل المبعوثة أن تشدّد على نقاط تختلف حسب اختلاف التوقيت والجمهور المتلقي. كما يجب أن تكون مقبولة من كامل مكوّنات الشعب السوري، عرباً وأكراداً ومسلمين ومسيحيين وأرمن وسنة وعلويين ودروز وإسماعيليين وآشوريين.. إلخ، وأن تغطي قضايا القبول بالآخر والحقوق والضمانات الدستورية.

ويجب أن يكون هناك تأكيد مضاعف على الصفة المدنية للدولة. كما يجب أن يشكل دعم حرية الضمير والمعتقد ضمانة كافية للعلمانيين والإسلاميين على حد سواء. أما تجاوز ذلك، كما فعل إعلان دمشق عندما قرّر طوعاً ارتباط المشهد السوري المعاصر مع القيم والتقاليد الإسلامية، دون أي التزام مؤكّد وواضح من جانب الإسلاميين بمفاهيم الحقوق الشخصية، فهذا التنازل المسبق يقوّي يد الطرف الآخر قبل الشروع في أي حوار حقيقي معه.

وينطبق الشيء نفسه على التشديد الكبير على الصفة العربية للدولة. فالأكثرية العددية المكوّنة من العرب السنة في الوطن لا تعني أن الثقافة العربية والإسلامية يجب أن تكون المعيار الذي يحكم كل القضايا أو المركز الذي تدور حوله الأمور. فالمعيار الحقيقي هو سيادة القانون واحترامه بما ينسجم مع حقوق الإنسان الأساسية عموماً. هذا هو المعنى الحقيقي للدولة المدنية. الدولة المدنية تكفيها صفة المدنية، وليست بحاجة إلى المزيد من التعريف.

ومن المهم جداً إعداد رسالة توجّه إلى ضباط الجيش والأمن، لكونهم العمود الفقري للنظام. وينبغي أن يكون محور الرسالة: غفران الآثام الماضية مقابل التعاون على فتح صفحة جديدة ينأى فيها هؤلاء عن الحياة السياسية ولا يبدون أي انحياز ضد المتظاهرين والنشطاء السياسيين، صغر شأنهم أم كبر، ما دامت عقائدهم السياسية تدعو إلى احترام الحقوق الشخصية الأساسية عموماً.

وينبغي أيضاً تذكير الناس بمصير نظام صدام وأتباعه، وإن بطريقة ملطّفة، وليس بغرض التهديد، بل لدفع اللاعبين الأساسيين للتفكير ملياً قبل الانصياع لأمر صادر عن نظام فاسد من الواضح أنه في طريقه إلى السقوط.

والحقيقة أنه من الصعب جداً تحديد شخصيات عسكرية ترغب بتسهيل مهمة إسقاط النظام، لكن من الضرورة الاقتناع بوجود مثل هؤلاء ومحاولة مخاطبتهم عبر وسائل الإعلام لثنيهم عن الانحياز ضد المعارضة خلال أي عملية قمع قادمة. ومثل هؤلاء الأشخاص يمكن تمييزهم بطرق عدة، منها، على سبيل المثال، جلسات التحقيق الدورية التي مررنا بها كأفراد في المعارضة وناشطين مستقلين. لقد حصلت مصادفات عديدة حدثت فيها مناقشات صريحة مع المحقّقين، مما خلق صلة ما معهم. وقد حان الوقت للإرتقاء بهذه الصلة إلى مستوى أكبر.

بالنسبة للجيش، فأفضل طريقة للقيام بتحييده هي ضمان حياد بعض المراتب العليا وقادة الصف الثاني والتأكد أنهم لن يتعاونوا مع النظام إن اختار القيام بحملة واسعة من القمع والاعتقالات. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون هناك بعض الضباط الكبار الذين يحتاجون لسماع أن تحركاً من جانبهم يمكن أن يلاقي دعماً شعبياً إذا ما التزموا ببرامج إصلاحية محددة. وهذا السيناريو، وإن لم يكن يمثّل الحل الأمثل، قد لا يشكّل صفقة سيئة بالنسبة لسوريا.

لنأخذ موريتانيا على سبيل المثال. لقد تعهد قادة الانقلاب العسكري بإجراء انتخابات بغضون 15 شهراً، وأعلنوا أن أياً من الطاقم العسكري الحاكم لن يتقلّد أي من المناصب. وضع مشابه يمكن أن ينقذ سوريا من الانهيار. لكن هذا ليس بالتأكيد السيناريو المثالي الذي نطمح إليه، ويتطلب الأمر يقظة واحتراساً من قبل المعارضة الداخلية والمجتمع الدولي، في حال حدوث مثل هذه التطورات، لضمان التزام الضباط المسؤولون بوعودهم والعودة إلى ثكناتهم.

وتنطبق الحاجة إلى التواصل على المجتمع الدولي أيضاً، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومن الضروري الترفّع عن الإيديولوجيات القومية واليسارية المعتادة والإعتراف بالحاجة إلى التعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإيجاد الصيغ المناسبة لهذا التعاون. ففي عالم اليوم، وحدها الدول العظمى تستطيع تحمل خطأ المرور بمرحلة إيديولوجية، أما الدول الصغيرة مثل سوريا ما بعد الحرب الباردة فلا تستطيع ذلك، بل هي مضطرة اليوم وأكثر من أي وقت مضى لأن تبقى براغماتية وتقوم بحسابات دقيقة وتقدم التنازلات كي تضمن بقائها.

ويمكن أن نغضب ونشمئز أخلاقياً من هذا الوضع، فنحن بشر وهذا طبيعي بالنسبة لنا، بل هو ضرورة. ولكننا في خاتم المطاف بحاجة للتعامل مع هذا العالم “البغيض”، وإلى تعلّم فن المساومة. وربما ما يزال إصدار البيانات ضد أمريكا والغرب والصهيونية يلاقي صدى جيداً في بعض الأوساط، لكن هذا ببساطة ليس سياسة صائبة، بل هو في الواقع سياسة غير حكيمة. ما نحتاجه هذه الأيام هو الكثير من البراغماتية والقليل من الإيديولوجيا.

لكن هذا لا يعني أن ندير ظهورنا لمبادئنا المعلنة. فالمطلوب هو إظهار حس سليم بالأولويات ـ فقابلية الحياة والنمو والازدهار لبلدنا مهددة بالضياع ويجب أن تبقى دائماً بالمرتبة الأولى في جداول أعمالنا، متقدمة على كل الاعتبارات الإيديولوجية.

كما أن ترسيخ علاقات عامة مع المجموعة الدولية، بما فيها الولايات المتحدة، لا يعني قبلة الموت. لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا التفكير. فمثل هذه العلاقات يمكن أن تصبح مصدراً لمزيد من المصداقية والشرعية أيضاً. وعلينا ألا ننسى بهذا الخصوص أنه حتى الرئيس السوري، نعم حتى قائدنا الشاحب هذا، احتاج لـِ “تزكية” من نظيره الفرنسي لكي يعتبر أهلاً للمنصب الذي وضع فيه وذلك من قبل الزمرة التي تبنّته ذاتها.

إن إجراء مثل هذه الاتصالات، في الوقت الذي يجري فيه تحييد ونبذ قادة النظام (بمن فيهم الرئيس نفسه) من قبل المجموعة الدولية، يمكن أن يشكّل مؤشراً إضافياً لشعبنا حول عدم شرعية ومصداقية النظام السوري. وهذا ما سيزيد من مصداقيتنا ويشرعن مواقفنا.

علاوة على ذلك، ومن أجل الوصول إلى طيف واسع من الجمهور، نحتاج أيضاً إلى مساعدة ودعم شخصيات ثقافية وفنية مشهورة، وخصوصاً من الجيل الأكبر الذين ما زالوا يتمتّعون بالكثير من المصداقية والاحترام الشعبي. ويمكن لهذا الدعم أن يأخذ شكل نشاطات عامة وبرامج تنظمها المعارضة، بالإضافة إلى إجراء المقابلات المنتظمة والمؤتمرات الصحفية حول قضايا الساعة.

إن الحصول على الدعم من هؤلاء لن يكون سهلاً بالطبع، إذا أخذنا بالاعتبار تاريخهم مع النظام وحاجز الخوف المعتاد الذي يبدو أنه ماثل بشدة في عقولهم أكثر مما هو حاصل مع الكتاب والأكاديميين، على سبيل المثال. لكن أحداً لم يحاول حتى الآن في الواقع كسب تأييد تلك الشخصيات. ولنكن أكثر صراحة، لم يحاول أي منا بشكل فعلي كسب تأييد أي كان.

إذ مازلنا في المعارضة ننتظر أن يأتي إلينا الناس بدلاً من محاولة الذهاب إليهم. وهذا خطأ لا يغتفر أبداً في هذه المرحلة. يجب أن تكون العلاقات العامة الآن جزءاً أساسياً من نشاطنا. فأزمة البلاد تتعمّق يوماً بعد يوم، وضرورة الضغط الداخلي على النظام تشتدّ في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.

ورغم اختلال ميزان القوى بين فصائل المعارضة والنظام، ليس هناك من مبرر للتقصير في شجب عدم كفاءة النظام وفساده لكونها أسباباً رئيسية للمعضلات الراهنة في سوريا. فالاحتشاد خلف النظام في هذه المرحلة، ومهما كانت المبررات، ليس استراتيجية سليمة.

في خطابه الأخير، اتهم الرئيس بشار المعارضة بأن نشاطاتها تتعاظم وتتقلص تبعاً للضغوط الخارجية. والحقيقة أن تقلّب نشاطاتنا مرتبط أكثر باضطراب النظام الداخلي ورسائله المتناقضة أكثر من أي أمر آخر. ولهذا فإن المبادرة ما زالت بيد النظام، حتى وإن كان بشكل غير مباشر. والاحتشاد خلف النظام سيزيد فقط من هذا الميل ولن يسمح لنا بتطوير “شخصيتنا” المستقلة.

ويمكن أيضاً أن تجري مناقشة حول ضرورة كسب دعم بعض الزعماء الدينيين المعتدلين من كل الطوائف والملل في سوريا، ومن بعض رجال الأعمال المشهورين، بصرف النظر عن ارتباطهم السابق بالنظام. فالتحالف المناهض للنظام يجب أن يشمل كل هذه الفئات قدر الإمكان لكي يضمن أوسع قبول ودعم شعبي.

دور وسائل الإعلام

تمثل وسائل الإعلام بالتأكيد إحدى الساحات الرئيسية للمعركة التي تدور من أجل استمالة عقول وقلوب الناس في بلدنا. لكننا، حتى الآن، لم نستطع الاستفادة منها بصورة فعالة.

أما النظام، فرغم اعتماده على خطابات مستهلكة ومنمّطة، بما في ذلك اتهام المعارضة بالأنانية والطموح (في ثقافة ما تزال شديدة الارتياب بالطموح) والعمل لصالح قوى أجنبية، ورغم لجوئه إلى أساليب بالية، بما في ذلك المظاهرات الجماعية المنظمة والمسرحيات والأغاني الوطنية، إلا أن فرصه بإيصال رسالته إلى الشعب السوري لا تزال وفيرة.

لذا، ورغم قدرة الشعب السوري على التمييز، طالما بقيت هذه الرسالة (هذه النسخة من “الحقيقة”) دون تحدّ فعّال من قبل المعارضة، يبدو الشعب السوري أكثر استعداداً، في هذه المرحلة على الأقل، لترك النظام يستفيد من حالة الشك والخوف التي يعيشها الجميع.

لهذا السبب، نحتاج إلى لعب ورقة الإعلام بمهارة أكثر بكثير مما فعلنا حتى الآن.

فالسعي وراء خدمات شركة علاقات عامة، كما نوّهنا سابقاً، هو على درجة كبيرة من الأهمية. والمطلوب رسم استراتيجية من أجل الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة، بما في ذلك التلفزيون والإذاعة والصحف والإنترنت.

ورغم أن نسبة صغيرة فقط من السوريين تستطيع الوصول إلى الإنترنت، إلا أن هذه النسبة تمثل مجموعة هامة من الناشطين. وفي الواقع، يبدو أن الكثير في صفوف المعارضة قد أدرك الأهمية المتزايدة للإنترنت، حيث تًوزّع معظم بياناتهم وإعلاناتهم عبر الشبكة. لكننا حقاً لا نزال بحاجة إلى بذل جهد أعظم في تصميم وتنظيم مواقعنا الإلكترونية، فما دامت هذه المواقع تخدم كقناة رئيسية نعرّف من خلالها بأنفسنا ونتواصل مع مؤيدينا والمتعاطفين معنا، فإن للانطباع الذي يعطيه مظهرها وشكل تنظيمها أهمية كبيرة.

وثمة حقيقة بسيطة وواضحة هنا: المعارضة التي لا تستطيع تصميم موقع فعّال وبمظهر جذاب لا يمكن أن تؤتمن على إدارة شؤون بلد بأكمله. فإذا كنا نسعى لأن نُعامَل بجدية، فكل ما نقوم به، مهما كان بسيطاً، يجب أن يعطي انطباعاً بالكفاءة والبراعة والاحترافية.

لكن، ما يزال هناك الكثير مما يمكن القيام به. فـ “المدوّنات” مثلاً، وسيلة مجهولة على الغالب في أوساط النشطاء السوريين، رغم أنها أثبتت فعاليتها الكبيرة في العديد من البلدان، مثل مصر وإيران والبحرين وغيرها من الدول. وينطبق الأمر نفسه على منتديات الإنترنت، وهي وسيلة تسمح بالمناقشة المباشرة بين النشطاء والجمهور حول قضايا معينة.

علاوة على ذلك، يمكن لانشاء المواقع الإلكترونية أن يخدم مختلف فصائل المعارضة والتحالفات كسبيل فعال جداً لتقديم نفسها إلى الجمهور السوري. فإطلاق مواقع إلكترونية حول قضايا معينة، مثل سجناء ربيع دمشق من بين الكثير من القضايا، أو مواقع إلكترونية حول قضايا معينة تُطرح للمناقشة، مثل الدستور المستقبلي لسوريا وميثاق المصالحة الوطنية والعلاقات بين مختلف مكونات الشعب السوري .. إلخ، ستكون أيضاً عوناً كبيراً لنا لتوضيح موقفنا حول الكثير من القضايا الأساسية، كما أنها ستساعد على تعريفنا بالكامل بالمواقف الشعبية من هذه القضايا.

ومن الضروري أيضاً إجراء استفتاءات عبر الإنترنت حول بعض القضايا.

وهناك الكثير من إمكانيات الإنترنت غير مستغلة من قبل المعارضة السورية، وستشهد الشهور القليلة القادمة الكثير من النشاطات والمشاريع الخلاقة التي تسعى للاستفادة من هذه الوسيلة الهامة والتي تصعب الرقابة عليها.

دور الرموز الوطنية

يحتاج الناس إلى رموز يمكن أن يصطفوا خلفها. هذه حاجة أساسية في كل البلدان والثقافات، ديمقراطية كانت أم لا، فهي نزعة اجتماعية ـ نفسية وثقافة عالمية. والرموز المقصودة هنا يمكن أن تكون رموزاً حية، أي شخصيات وطنية بارزة، أو يمكن أن تكون أموراً معينة، كراية أو نص مقدس، أو حتى حدث معين جدير بالتذكر، كحالة قمع أو انتخاب معين.

بالنسبة لنا، الرموز الأكثر ترجيحاً والتي يمكن “استغلالها” لأغراض الدعاية هي الرموز الحية. فالرايات لم تكتسب أبداً مثل هذه القيمة الرمزية العالية في مخيلة الشعب السوري، على الرغم من التظاهرات الأخيرة، كما أن تحشيد الناس وراء نص مقدس سيكون موضع خلاف استراتيجي حاد وربما يكون أكثر قدرة على تمهيد الطريق نحو حرب أهلية من أن يؤدي إلى تحرّك من أجل الحرية.

أما بالنسبة للأحداث، فقد تم إغفال العديد من الفرص بهذا الخصوص، خصوصاً الإجراءات القمعية التي أنهت ربيع دمشق. لكن استرداد اللحظة لم يعد ممكناً اليوم. وإذا أردنا استخدام الأحداث في هذا الصدد ، فيجب أن وقوعها في المستقبل وأن نكون مستعدين هذه المرة لتوظيفها بالشكل المناسب.

وهذا يقودنا في الوقت الراهن إلى اللجوء إلى رموز حية فقط. لكن، ومما يبعث على الطمأنينة هنا، هو أنه لدينا طيفاً واسعاً من الشخصيات التي يمكن أن تعتبر تتبوأ هذا المركز، مثل: رياض سيف، رياض الترك، عارف دليلة، كمال اللبواني، سهير أتاسي، أنور البني، ميشيل كيلو وغيرهم.

وليس مهماً هنا الاختلافات بين هذه الشخصيات، إيديولوجية كانت أم شخصية. كما أنه لا يهم إن كان أحد من هذه الشخصيات بأهمية نيلسون مانديلا أو ليك والنسا. فالأمر المهم هو إعداد حملة لإعلاء شأن هذه الشخصيات وتحويلهم إلى أعلام معروفة، ورموز للشجاعة والوطنية. وهذا سيفي بالغرض. فيوماً إثر يوم، تخاطر هذه الشخصيات بسلامتها وحريتها وتتعرض للمضايقات المستمرة من قبل أجهزة الأمن من أجل سوريا أفضل. وتستحق شجاعتهم الاعتراف من الكل قاطبة. ويجب أن يكون هذا الأمر هو الرسالة الأساسية التي لكل الجهود الإعلامية بهذا الخصوص.

ويجب أن تتضمن الاستراتيجيات تصميم مواقع إلكتروني خاصة ومتجددة مجهزة بالأخبار باستمرار، وربما مساعدة البعض منهم على امتلاك موقع blog خاص به.

الوصول إلى العتبة

لكي نحقق تقدماً على طريق الحرية، بغض النظر كم سيبدو تأطير المسائل بهذه الطريقة مثالياً، من الضروري تحقيق مستوى معيناً من المشاركة الشعبية. والسبيل الوحيد لبلوغ ذلك هو تنظيم بعض المناسبات العامة التي يمكن أن تجتذب أعداداً أكبر من المشاركين الملتزمين.

وليس من الضروري أن تكون هذه المناسبات سياسية على نحو صريح في البداية. فقد تتخذ أولاً مظهر احتشادات داعمة للبلد في مواجهة الضغوط المتزايدة؛ احتشادات ضد العقوبات، لكن ليس بالضرورة دعماً للنظام. فالأمر المهم هو تجميع أعداد كبيرة وتعويد الناس على التظاهر والاعتصام والمجاهرة بالحديث عن القضايا العامة واختراق حاجز الخوف شيئاً فشيئاً.

يحاول النظام السوري أن يعطي انطباعاً بالانفتاح، ولهذا السبب كان مستعداً للصبر على الحماسة المتقدة في دوائر أنصار المجتمع المدني. والحقيقة هي أن أغلب هذه الحماسة تخدم مواقف النظام في هذه المرحلة، لكنها، بإدارة مناسبة، يمكن أن تتحول إلى مجسّ أكثر عقلانية لطبيعة اللحظة الراهنة، وأن تُثار من خلالها قضايا المسؤولية عن الأزمة الوشيكة الحدوث، وتوجيه السخط الشعبي، الذي يختمر، بالاتجاه الصحيح، أي ضد النظام.

التواصل هو المفتاح الرئيسي في هذه المسألة، حيث يمكن لـ “التعليم الشفهي” أن يساعد كثيراً. والعملية تشبه تماماً الهداية الدينية، وتتطلب قدراً معيناً من النشاط التبشيري واختيار مبشرين مؤهلين تماماً، ولو كانوا خرافاً وسط الذئاب. إذ يبدو أن الحضارة نفسها قامت على أكتاف مثل هؤلاء الخراف.

الحرية قضية، وليست عبارة جوفاء، ويجب أن تُعطى هالة القداسة التي تستحقها. ومعارضة النظام، معارضة بشار وشركاه والبيت الذي بنوه لأنفسهم هي في الحقيقة كفاح من أجل الحرية، بل هي كفاح من أجل روح سوريا وشعبها. فإذا ما استمرت هذه الطغمة في تحديد الحقائق التي سينشأ عليها أطفالنا، فأي نوع من الناس سيكونون عندما يكبرون؟

إننا في هذه المرحلة الحرجة، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى نفض خمولنا وخوفنا لكي نهب اللحظة الراهنة إحساساً صائباً بالإلحاحية والقداسة التي تتطلبها. لقد حارب السوريون ضد الاستعمار الخارجي من قبل، ولقد آن اليوم أوان محاربة الاستعمار الداخلي، أي أوان محاربة الحكم الاستبدادي الفاسد. فالأخير هو من يسهّل دوماً للأول.

علاوة على ذلك، وكما نوّهنا قبلاً، فإن الأخير يسهّل أيضاً التشظي المحتمل للدولة من خلال رعايته للعداوة المتزايدة بين مختلف المكونات الإثنية والدينية للشعب، ومحاولاته الدؤؤب للعب جزءاً من الشارع ضد جزء آخر.

النظام هو العقبة الرئيسية أمام الإصلاح في هذه المرحلة. والحقيقة، كان يمكن للأمور أن تكون أسهل بكثير لو لم تكن هذه هي الحال ولو كان بشار أثبت في النهاية أنه رجل الإصلاح الذكي والكفؤ الذي كان يتمناه الجميع. لكن بات من الواضح اليوم أنه ليس كذلك. ومن السخف تماماً أن نستمر في المراهنة عليه بعد كل حالات الفشل والخيبات التي مررنا بها منذ مجيئه إلى السلطة. كما أنه من المضحك أكثر الافتراض أن النظام يمكن أن ينتج شيئاً ما عدا حالات الفشل والخيبات نظراً لسجله طوال الأربعين سنة الماضية. أربعون سنة. لقد حان الوقت أن نبدأ بالتعامل مع حقيقة أن النظام السوري الآن ميت كلياً، وأن المسعى لتأسيس بديل هو واجب الآن، مهما كان الأمر صعباً.

نداء النفير: إنهاء الفساد أو الرحيل

الناس لا يستجيبون أبداً لنداء معركة مبهم وعام. فإذا كان من الضروري بالنسبة لنا أن نحشد الناس حولنا، فلابد من عرض مجموعة من الأهداف عليهم. فلا متسع للغموض هنا. ولا يمكن حشد الناس لدعم شخصيات وقضايا غامضة. فالقليلون جداً هم الذين يحتشدون من أجل قضية عامة مثل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين. لكن الكثير من الناس سيحتشدون من أجل إطلاق سراح رياض سيف أو كمال اللبواني أو عارف دليلة، حيث سيكون أفراد العائلة والأصدقاء ملتزمين بالمشاركة، وقد يجرون أناساً آخرين للمشاركة أيضاً. ونستطيع كذلك إشراك المزيد من الناس عبر “تزيين” صورة هذه الشخصيات، جاعلينهم أكثر قرباً وألفة من الناس من خلال التأكيد على مساهماتهم الإيجابية في البلد ومن أجل قضية الحرية.

كما أن دعوة الناس للتظاهر ضد النظام بشكل مباشر لا يبدو معقولاً في هذه المرحلة المبدئية، وخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عملية غسيل الدماغ التي حدثت طوال الأسابيع القليلة الماضية علاوة على قوة الماكينة الدعائية الرسمية، وسذاجة شعبنا المعروفة ورغبة الناس في تصديق الجواب الأسهل والأقل إيلاماً والذي يقول بأن بقايا ما من المشاعر الوطنية ما تزال موجودة في قلب النظام الراهن وهي، وعلى الرغم من الفساد الفاضح والمستشري في النظام، لن تسمح له بالتمادي إلى درجة وضع سوريا وشعبها في مواجهة الأخطار.

الناس على خطأ في اعتقادهم هذا بالطبع، والأكثر أهمية من ذلك أنهم يدركون جيداً أنهم على خطأ. لكن علينا أن ندعهم يواجهون حقيقة مشاعرهم من خلال تشجيعهم على الانخراط في قضايا أكثر وضوحاً وأقل صعوبة من الناحية النفسية.

لقد بات تنظيم حملة للمطالبة بإدانة المتورطين في عملية اغتيال الحريري والمطالبة بالكشف الكامل عن الحقائق من قبل السلطات السورية والتعاون غير المشروط مع المحققين الدوليين أمراً أكثر ضرورة وحراجة من أي وقت مضى. والمبرر لهذه الخطوة واضح: إن أبطال الممارسات الفاسدة في لبنان والتي تمّت باسم الشعب السوري واحتمال تورّط البعض في جريمة قتل الحريري قد أساء إلى مصالح الوطن وسمعته وجلبوا له إدانة وعاراً على الصعيد الدولي.

لقد وعد الرئيس الشعب بمعاقبة من يثبت تورطه في اغتيال الحريري والتعاون مع التحقيق الدولي، والمطلوب منه الالتزام بوعده، بل والتحقيق الفوري بموضوع الفساد الداخلي في شقّه اللبناني، وإلا ينبغي اعتبار الرئيس أيضاً مذنباً بجلب الخزي والعار للبلد. ولاشك في أن الشعب السوري سيتفهم هذه الرسالة الواضحة والبسيطة وسيتفهّم المنطق ورائها، وذلك في حال تقديمها بشكل محكم وتكرارها المرة تلو الأخرى.

في الحقيقة، يجب أن تتركز الحملة المقبلة بكاملها على مصداقية الرئيس. نعم، لقد كان السيد رياض الترك، عراب المعارضة السورية كما يدعوه البعض، محقاً في دعوته المبرّرة لإستقالة الرئيس. لكن الشعب السوري لم يكن مهيّئاً بأي حال لقبول هذا الاستقراء “الواضح” لطبيعة اللحظة. إذ لم يهتم أحد بعد بجعل هذه الخاتمة واضحة بالنسبة للشعب، ولم يحاول أحد بعد أن يوجهه خلال عملية الاكتشاف.

يجب أن يُترك الناس ليخلصوا إلى هذه النتيجة بأنفسهم. وكل ما هو مطلوب منا الآن هو إثارة القضايا المناسبة المتعلقة باستشراء الفساد وتذكير الناس بعدم كفاءة الرئيس في كل مرة، بل وعدم استعداده لفعل أي شيء حول هذا الأمر طوال السنوات الخمس الماضية.

كما أن تحقيق ميليس قد أوضح أن قضية الفساد ربما كانت العامل الحاسم والأكثر أهمية في اغتيال الحريري. لذا يجب أن تكون محاربة الفساد أولوية وطنية اليوم. ولا يهم في هذه المرحلة من سيثبت التحقيق لاحقاً تورطه. فطالما أن الدور السوري في هذه المسألة بات مدركاً على الصعيد الدولي، وطالما تم تحديد الفساد على أنه العامل الأكثر حسماً هنا، فإن المطالبة بمحاسبة داخلية مقرونة بمحاولة لفرض هذه المحاسبة على الساحة من خلال طرح القضايا ذات الصلة أمام الناس هي الآن أكثر أهمية من المحاولة الحمقاء لتحدي المجتمع الدولي والإرادة الدولية، والتي لن تفيد سوى ذات النخبة الفاسدة التي قادتنا إلى هذا الوضع.

وفي هذه الحملة، يجب استهداف شخصيات سلطوية معينة والاصرار على التشكيك في أداء الرئيس، باعتبار أن الشبهات تحوم حول أفراد عائلته وأصدقائه المقرّبين، ويجب التأكيد على ضرورة إنهاء المحاباة، وعلى الحاجة إلى قيادة قوية وحكيمة ومجرّبة، خصوصاً في هذه الأوقات الصعبة.

يمكن أن تكون النقطة الأخيرة حجّة مفحمة بالفعل. وذلك بغض النظر عما يعتقده الناس بشأن شخص الرئيس، إذ، بات من الواضح للكثير اليوم أنه ليس الشخص المناسب ليكون المسؤول عن البلد في هذه المرحلة الحرجة، وذلك، على الأقل، لنقص تجربته الشخصية. وعلينا، كمعارضة، أن نضرب على هذا الوتر باصرار وأن نكون قادرين على تقديم شخصيات تمتلك الخبرة والحنكة إلى شعبنا والعالم. من هنا تأتي أهمية القيام باتصالات مع العالم الخارجي. وهذا في الحقيقة هو أحد السبل لإظهار التجربة والحنكة اللذين لا يمكن التغاضي عنهما، ليس فقط من أجل معالجة قضية الفساد، بل أيضاً لإصلاح علاقات سوريا مع المجموعة الدولية ووضع حد لأزمتها الراهنة.

إن الإشاعات الأخيرة حول احتمال حدوث تغييرات كبيرة في الحكومة الحالية، والتي، في حال حدوثها بالفعل، سيتم الاحتفاء بها كخطوة تغييرية هامة، لن تؤثر أبداً على موقف المعارضة، بل على العكس، إن خطوة كهذه ستقوي موقفنا، وذلك لأنها لن تنجح، فتركيبة النظام المبنية على الفساد لن تسمح لها بالنجاح. وهكذا، سيكون النظام قد رفع من مستوى التوقّعات ولم يقدم إلا الخيبة.

على المعارضة أن تعدّ نفسها لاستغلال هذا الفرصة من الآن لكي تضع نفسها في موقف يسمح لها بالحصول على بعض الدعم الشعبي لمواقفها في اللحظة المناسبة.

أما فيما يتعلّق بتصريحات نائب الرئيس عبد الحليم خدام الأخيرة، والتصريحات المضادة لها، فستؤدي إلى افتضاح أمر الجميع، بمن فيهم الرئيس بشار الأسد الذي لم يعد يمكنه أن يحافظ على هالة البراءة التي أحاط نفسه بها خلال السنين الماضية، فهو إما مذنب بتهمة الفساد أو بتهمة العجز، ولعلّ التهمة الثانية أنكى من الأولى. وهذا يشكّل فرصة ثمينة لا ينبغي على المعارضة إضاعتها.

الحدث الفاصل واليوم التالي

في لحظة معينة، ستكون هناك مواجهة جريئة، خطوة واحدة أو سلسلة من الخطوات المشابهة التي ستحدث والتي ستؤدي، غالباً في وجه كل الخطط الموضوعة سواء كانت مؤيدة أو معارضة للنظام، إلى انهياره. ويمكن لانهيار النظام أن يأتـي على شكل استقالة الرئيس، أو مغادرته المفاجئة، أو تحرك من قبله ضد بعض الأفراد من حاشيته، أو تحرك ضده من قبل أفراد ساخطين من حاشيته، أو من قبل أفراد من خارج دوائره.

وفي جميع الحالات، هناك حاجة لخطة ما للتعامل مع اليوم التالي لانهيار النظام، اليوم الذي سيسمح فيها للمشاركة الشعبية بتشكيل المرحلة الناشئة. ومن المهم في هذه المرحلة ألا نروّع بالتهديد أو ندع القرارات تُفرض من فوق، حتى في حال حدوث انقلاب عسكري. ويجب أن تُنظم على الفور مظاهرات شعبية لضمان أن المدنيين هم في النهاية من سيكون مسؤولاً عن إدارة المرحلة الانتقاليبةوليس فقط العسكريون وأعضاء حزب البعث. ولهذا يجب تشكيل جبهة موحدة ومجلس انتقالي مسبق، ويمكن في اللحظة المناسبة دعوة أعضاء من حزب البعث للمساعدة في وضع الخطوط العامة للمرحلة القادمة.

في تلك المرحلة، يجب أن نتفادى أي إغراء بتصفية حسابات قديمة. ويجب أن تُعطى الأولوية إلى الحفاظ على استقرار البلد وإطلاق الخطط لإعادة رسم هيكليته السياسية الحالية. ويجب أن تكون الأهداف الفورية هي العودة بالبلد إلى الحالة الطبيعية ضمن فترة زمنية معقولة (سنة كحد أقصى). وهذا يعني أن تعود مؤسسات الدولة إلى وضع عملها الكامل بغضون أسابيع إن لم يكن أياماً بعد سقوط النظام تحت إدارة الوزراء الموجودين أو نوابهم. ويجب الإبقاء على هذه الحالة إلى حين إجراء انتخابات ومجيء حكومة جديدة مختارة بموجب معايير ديمقراطية.

في غضون ذلك، على المجلس الانتقالي إعداد الخطط لإجراء انتخابات عامة لصياغة دستور جديد وميثاق حقوق للبلد ضمن فترة ثلاثة شهور. وعندما يتم الاتفاق على الدستور، يجب أن يُعرض على استفتاء شعبي. ويجب أن يلي ذلك انتخابات برلمانية ورئاسية في وقت قريب.

وستطرح الفترة الانتقالية العديد من القضايا الحاسمة التي يجب التعامل معها بشكل براغماتي وبقدر معين من اللياقة والحصافة. وهي تتضمن:

• كيفية التصرف مع شخصيات النظام القديم.

• ما الدور الذي يمكن أن يقوم به حزب البعث في إدارة الانتقال وفي مستقبل البلد ككل.

• ما دور الجيش وأجهزة الأمن في مستقبل البلد.

• كيف تُدار تحالفات المعارضة بعد الانهيار، وكيف تُنفّذ الاتفاقيات السابقة بين مختلف فصائل المعارضة.

لن يكون من السهل التعامل مع هذه القضايا، ولا يمكن لأي قدر من التخطيط المسبق أن يجعلها أقل صعوبة. والحقيقة، لا يمكن معالجة بعض التفاصيل إلا في حينها. لكن من المفيد الاحتفاظ ببعض المبادئ العامة في الذهن حتى ذلك الحين:

• إن الحفاظ على استقرار البلد وإقامة علاقات بين مختلف مكوناته، وخصوصاً السنة والعلويين، والعرب والأكراد، يتطلب أن تكون العدالة الانتقالية سريعة ومقتصرة على بعض الشخصيات الرئيسية. فلا يمكن معاقبة كل المسيئين من أتباع النظام القديم، ولا ينبغي حصر العقوبة بأفراد من طائفة معينة فقط، بغض النظر عن المبرّرات التي يمكن أن تقدم. وينبغي ألا تكون العدالة عمياء وأن لا تتم على حساب قضية أعظم وهي خير الوطن. فالعدالة يجب أن تتحلى بالحكمة وبعد النظر.

• لا يمكن تجنب التعامل مع حزب البعث ككل، بصرف النظر عن تاريخه في سوء الإدارة والفساد. فما زال هناك عدد غير قليل نسبياً من المؤمنين به، وعدد غير قليل أيضاً في مواقع قيادية ممن يستمدون شرعيتهم من الولاء للحزب. فلا حاجة لأن يتأسّس النظام الجديد على جثة البعث. لكن يجب ألا يُسمح للبعث بالتأثير في السلطة. وسقوط النظام قد لايعني سقوط البعث على الفور. وفي الحقيقة، سيترتب علينا، بعد سقوط النظام، أن نقاتل ضد هيمنة البعث أيضاً، حيث سيكون هناك عدد غير قليل من أعضاء الحزب المقاومين بعناد، وسيتطلب الأمر وقتاً أطول لكي يقتنعوا بحقيقة أن زمن الهيمنة وحكم الحزب الواحد قد ولّى. وكلما طال زمن القتال ضد هؤلاء المقاومين، كلما فقد البعث المصداقية ونالت المعارضة شرعية أكبر، شريطة أن تستمر في التفوق على البعثيين باللعبة الإعلامية.

• يجب استمالة الجيش السوري وأجهزة الأمن وضباطهم أيضاً. فقد لعبوا دوراً رئيسياً في إدارة شؤون البلد لعقود ومن غير المرجح تخليهم عن هذا الدور بسهولة، خصوصاً إذا حدث السقوط نتيجة لتدخلهم. والأسباب التي تبرر عدم تجاهل دور الجيش وأجهزة الأمن هي عدم وجود اتفاقية سلام مع إسرائيل والفوضى المستمرة في العراق المجاور والتهديد المحتمل من المجموعات السلفية. فهناك في الحقيقة حاجة جدية للحفاظ على دور خاص لضباط الجيش والأمن، لكن مع وضع بعض القيود على نشاطاتهم وتدخلهم في الحياة العامة. كما أنه من الضروري مراجعة عدد أجهزة الأمن وتقليص هياكلها وتحديث فعاليتها.

• من المؤكد أن بعض تحالفات المعارضة ستتفكك في الأيام التي ستلي “النصر”، عداك عن ضرورة إجراء مراجعات جدية لها. وستؤثر الانتخابات في هذا الأمر حتماً، حيث سيكون من المرجح انبثاق تحالفات جديدة بعدها. لكن من المهم هنا التذكر أن مثل هذه التطورات جزء لا يتجزأ من العملية السياسية. وليس هناك من حاجة لممعاندة هنا. فانهيار تحالفات وظهور أخرى لا يعني بالضرورة كارثة وطنية. فكلما كانت هذه العمليات أكثر سلاسة كلما عظمت ثقة العامة بالعملية الديمقراطية نفسها. ما عدا ذلك، سيكون لدى المتعصبين والمتطرفين فرصة للكسب والتخريب، وسيتقوض استقرار البلد جدياً.

خاتمة

كان الصراع على مستقبل سوريا صراعاً داخلياً على الدوام، أي أنه كان بالدرجة الأولى حول تحديد هويتها. وجميع الأمور الأخرى، بما فيها دور سوريا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم تكن إلا تطورات جانبية وحالات صرف انتباه عن هذه المهمة الحقيقية. ولكي تكون سوريا دولة لكل مواطنيها، عرباً وأكراداً، مسلمين ومسيحيين، سنة وعلويين على حد سواء، لابد من محاربة الفساد والحكم الاستبدادي كخطوة أولى بالاتجاه الصحيح. فالنظام السوري كان يعتمد دوماً على سياسة الشقاق والغلبة للاحتفاظ بالسلطة.

ورغم كل خطابه الوطني والعلماني، كان النظام السوري يلعب على وتر الانقسامات الطائفية والإثنية في البلد لتعويم نفسه كعامل لا غنى عنه للأمن والاستقرار فيها. لكنه في الحقيقة يمثل التهديد الأول والأكبر لهذا الأمن والاستقرار. صحيح أن مشكلات الطائفية سابقة على هذا النظام، لكن إدارته لها دفعتها إلى حال أسوأ. ولقد انفجر الوضع في وجوهنا مرة من قبل، في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، ويجب ألا نسمح بتكرار مثل هذا المسار المأساوي.

لكل هذه الأسباب يجب أن يرحل نظام الأسد، فالشعب السوري يستحق دولة قوية وعصرية، دولة ديمقراطية، دولة لكل مواطنيها تُحترم فيها الحقوق المدنية الأساسية ويسودها حكم القانون، ويتحمل فيها المسؤولون تبعة أخطائهم. لقد حان وقت العمل. حان الوقت كي نظهر للعالم أن الثورات المخملية يمكن أن تحدث في المجتمعات الشرق الأوسطية أيضاً وأن شعوبنا ليست أقل حباً للحرية من بقية شعوب المعمورة.

في صميم الموضوع

يجب على المعارضة أن تكون قادرة على:

• تحديد الخطوط العامة للرؤية المطلوبة لمستقبل البلد. والأهم بهذا الخصوص هو القدرة على صياغة ميثاق حقوق وطني وليس دستوراً فقط.

• الحفاظ على دور الرموز الوطنية ومساعدتها على خلق الهالة الضرورية لضمان الانتباه والاحترام الشعبي.

• دعم ظهور زعماء شعبيين مؤثرين عن طريق التعامل مع شركة علاقات عامة محترفة لتجهيزهم للظهور الإعلامي، التقليدي والإلكتروني.

• السعي للحصول على مصادقة من شخصيات رفيعة المستوى ومشهورة من مختلف المجالات، بما في ذلك الفنانين والمثقفين ورجال الأعمال.

• إيصال رسائل عامة إلى ضباط الجيش والأمن واستمرار مناشدة حسّهم بالعدل والوطنية، وإظهار تغاير مصالحهم ومصلحة البلد مع السياسات المغامرة التي تبناها نظام الأسد، والمسار الكارثي الذي قادنا إليه بيت الأسد.

• تشجيع صياغة وتبني برامج اجتماعية ـ اقتصادية لمواجهة التحديات الأكثر خطورة التي يمر بها البلد كسبيل لكسب أوسع تعاطف شعبي ومن ثم المصادقة الشعبية.

• تجنيد دعم المجتمع الدولي، بما في ذلك اللاعبين الأساسيين في المنطقة. وإبداء الاتصالات معهم كمؤشر على القبول والمصداقية والشرعية والكفاءة.

• إبقاء التركيز على أهمية الاستمرار بالحملة الإعلامية المصممة لتعرية النظام.

• عدم التخلي أو التراجع عن سياسة المواجهة مهما تزايدت الضغوط.

• الحفاظ على جبهة متحدة بغض النظر عن الخلافات بين فصائل المعارضة. فالخلافات يمكن أن تُسوّى لاحقاً وضمن النظام الديمقراطي المنشود نفسه.

أخيراً، يجب أن نتذكر دائماً، وفي كل الأوقات الصعبة التي ستمر بنا، أننا لم نختر هذه المجابهة وأنها فُرضت علينا. لقد أنفقنا الكثير من الوقت والرغبة تملؤنا في أن يكون الرئيس الجديد للنظام العتيق قادراً بالفعل على تقديم وتنفيذ رزمة من الإصلاحات الحقيقية والفعّالة، و في أن يكون مهتماً حقاً بعملية الإصلاح ومدركاً لحراجة الوضع الراهن وملحاحية الاصلاحات فيه…. لكن عبثاً.

لذا، وإذا ما أخذنا بالاعتبار موقعنا من الإعراب اليوم كشعب، فلا يسعنا إلا تصديق الحقيقة الصارخة الماثلة أمام أعيينا، ولا يسعنا إلا أن نتعامل مع إحباطاتنا ونواجه التحديات الفعلية القادمة، مهما كانت صعبة. فالآن أكثر من أي وقت مضى، يبدو من الواضح أن تحدي بناء مستقبل أفضل لأنفسنا وأولادنا، بات يقع على عاتقنا نحن. وهذا هو الوضع الطبيعي لشعوب ما تزال تناضل من أجل حريتها الحقيقية.