الحقيقة وعشاّقها

28 آب، 2006 / مدونة “أقوال وأفكار”

على من يبحث بجد عن الحقيقة أن يملأ عقله مسبّقاً بحبها، لأن من لا يحبها لا يمكنه أن يكابد المشقات للوصول إليها، ولن يهتمّ كثيراً إن فشل في ذلك. ولا يوجد أحد في مجتمع المعرفة ممن لا يدّعي بأنه من عشاّق الحقيقة، ولا يمكن لمخلوق عاقل أن لا يغضب ويحتجّ إذا ظُنّ به عكس ذلك. ومع هذا، قلّة هم عشّاق الحقيقة من أجل الحقيقة، حتى في صفوف أولئك الذين يقنعون أنفسهم بأنهم كذلك. 

ولعلّه من المفيد هنا أن نسأل: كيف يمكن للمرء أن يعرف ما إذا كان من عشّاق الحقيقة أم لا؟ أعتقد أن هناك دليل دامغ على ذلك: أن لا يتعامل المرء مع أية موضوعة بيقين أكبر مما تستحق بناء على الأدلّة المتوفرة. فمن الواضح أن من يذهب أبعد من ذلك لا يتعامل مع الحقيقة من منطلق المحبة، ولا يعشق الحقيقة لذاتها، ولكن لغرض آخر في نفسه… 

إن إسباغنا للمصداقية على موضوعة ما بأكثر مما ينبغي لها استناداً على الأدلة الداعمة لها إنما ينبع من ميولنا الخاصة في هذا الصدد، ويشكّل استهانة بمبدأ عشق الحقيقة لذاتها، تلك الحقيقة التي، تماماً كما لا يمكن لمشاعرنا واهتمامتنا أن تشكّل أدلّة عليها، لا ينبغي لمشاعرنا واهتماماتنا أن تشوّهها أيضاً. 

“مقالة عن الاستيعاب الإنساني،” جون لوك (1632-1704)، الفصل 19

حوار

ابن رشد: بالرغم من هذه المحاولة العقلانية والجميلة لجون لوك للدفاع عن الحقيقة، لكن مشكلتنا الحقيقية في هذا الصدد تبقى كامنة في قدرتنا على التبرير المستمرّ وعلى إقناع أنفسنا، ليس فقط بأنا من عشّاق الحقيقة، بل بأننا فعلاً ننظر إلى الأمور بشكل مجرّد، في حين تحرّكنا ميولنا واهتماماتنا وتعصّباتنا وتحزّباتنا. أليس الاختلاف في الأديان والعقائد، حتى في صفوف أولئك الذين ينتمون إلى مجتمع المعرفة أكبر دليل على هذا؟

الكندي: عشق الحقيقة قد يجمعنا، لكن الحقيقة ذاتها لن تجمعنا أبداً. وربما كان هذا أفضل، فالاختلاف فيما بيننا هو ما يجعل الحياة محتملة. فما معنى الحوار إذا كنا متفقين على كل شيء. ولولا الاختلاف لما كان الاكتشاف ومتعة الاكتشاف، خاصة فيما يتعلّق بالأبحاث العلمية.

الفارابي: هل غاية المعرفة فعلاً، أو هل يجب أن تكون غايتها، هي الوصول إلى الحقيقة؟ أم هل الغاية من بحثنا الدؤوب هي التوصّل إلى تسوية ما مع العالم والواقع من حولنا تسمح لنا بالعيش بأقل كمية ممكنة من الألم والتغرّب؟ هل الحقيقة هي الغاية الفعلية لمسيرتنا المتخبّطة في هذه الدنيا أم هو الانتماء؟ أم هل تفوق حاجتنا إلى حقيقة المعرفة حاجتنا إلى راحة الانتماء؟ أو هل يمكن للحاجتين أن تتكاملا؟ أو هل هما في الجوهر حاجة واحدة؟ وهل نحن على استعداد فعلاً لأن نكون منفتحين على كلّ الاحتمالات القائمة أو التي قد تكون مهما كانت مزلزلة ومدمّرة؟ هل نحن على استعداد دائم لتحمّل ثمن بحثنا المستمرّ عن الانتماء، وربما الحقيقة؟

الكندي: طالما أن البشر محكومون بالنقصان تبقى مسألة الحقيقة المطلقة أمراً خارج نطاق الحسبان. ومع ذلك، أثبتت التجارب الحياتية أن الموضوعية ممكنة، خاصة في مجال البحث العلمي، والدلائل على ذلك تحيط بنا من كل جهة هذه الأيام. لكن هذه الموضوعية والاكتشافات المؤسّسة عليها لم تسبغ بالضرورة معناً على حياتنا ولم تفسّر الغاية من وراء وجودنا. لكن هذه الملاحظة إن دلّت على شيء فعلى أن المصدر الحقيقي للمعنى يبقى كامناً فينا. وربما كان البحث الحقيقي الذي نجد أنفسنا منهمكين فيه طيلة حيواتنا هو بحث عن المعنى أكثر منه بحث عن الحقيقة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن التوصّل إلى تسويات مناسبة لكل منا هو الهدف الأساسي لبحثنا.

ابن رشد: المعرفة تنطوي دائماً على جزء من المعنى، والمعرفة مهما كانت موضوعية لابد وأن تحتوي على تسويات ما، فالمعرفة لم تنبئنا منذ الأزل أن الأرض كروية ولم تخبرنا عن حقيقة الأمراض التي نصاب بها. ففي لحظة ما من تاريخ وجودنا في هذا الكون كنا متيقّنين من أن الأرض مسطّحة وأن سبب الأمراض هي شياطين وعفاريت قامت بالاستحواذ على أجسادنا، ثم تغيّرت المعرفة والمعتقدات والتسويات مع المزيد من البحث والاكتشافات المتعلّقة بالحقيقة والمعنى معاً.

الحاجة إلى الحقيقة إذن هي ذاتها الحاجة إلى المعنى، والحقيقة الإنسانية دائماً تبقى مشوبة بالنقصان، لأن الإنسان نفسه ناقص، وبالتالي بوسعنا أن نقول أن كل التسويات مرحلية، وكذا كل الحقائق وكل المعاني. والبحث سيبقى مستمرّاً أبد الدهر.