الحرية والتخاذل – 1

23 أيلول، 2006 / مدونة “أقوال وأفكار”

الأمر الوحيد الضروري لضمان انتصار الشر هو أن يمتنع الأخيار عن فعل أي شيء. إدموند بيرك، 1729-1797

حوار

ابن رشد: التخاذل جريمة نكراء يعاقب عليها التاريخ ويدفع من أجلها المتخاذلون جزءاً كبيراً من إنسانيتهم ثمناً. فالتخاذل بطبيعته انتقاص للمقدرة الإنسانية على الإبداع والتكوين، وهو يشكّل بالتالي عائقاً كبيراً في وجه مسيرة التقدّم البشرية، وهو تفريط كبير بهدية الحرية والكرامة الإنسانية لا يقلّ خطورة وبشاعة عن جريمتي الاستبداد والقتل، بل هو الوجه الآخر لهما، والعامل المكرّس الأكبر الذي يحوّل هاتين الظاهرتين إلى جزء طبيعي من الصيرورة الإنسانية عوضاً عن أن يكونا حالة شاذة وطارئة.

ابن سينا: هناك مشكلة كبيرة هنا تتعلّق بالانطباعات التي تتكوّن عند الناس حول مفهومي الشر والخير فيما يخصّ حدثاً أو موقفاً معيناً، وبالتالي، قد يشكّل ما يراه البعض تخاذلاً موقفاً مدروساً وحكيماً عند البعض الآخر، إن لم نقل عند الأغلبية. وقد يكون هناك فشل في التواصل والحوار أو عدم قدرة على التواصل أو الحوار، لأي سبب من الأسباب، فيما يتعلّق بطبيعة الحدث أو الموقف قيد الاعتبار بين الشرائح المعنية بالأمر، مما يترك انطباعاً بالتخاذل عند البعض.

الخير والشر، الإقدام والتخاذل، آه، يا ليت المسائل كانت بمثل ذلك الوضوح واللاتعقيد الذي تصرّ عليه المبادئ العامة.

ابن خلدون: للشرائح الاجتماعية المختلفة أولويات مختلفة، والتواصل بينها من أجل توضيح هذه الأولويات وتوحيدها، أو على الأقلّ من أجل الاتفاق على أرضية مشتركة تسمح لكل شريحة بمتابعة أولوياتها، ليس بالأمر السهل على الإطلاق، بل هو لبّ المشكلة. ولعلّ أغلب الشكاوى المتعلّقة بالظلم والتخاذل والتشدّد والاحتقار والإهمال إنما يرجع إلى اختلاف الأولويات وسوء أو انقطاع التواصل ما بين الشرائح المؤسّسة للمجتمع. ولعلّ المشكلة الأكبر هنا تحدث عندما يصبح الخير في منظور شريحة ما هو شرّ مطلق في منظور أخرى.

الكندي: إذاً هل بوسعنا أن نقترح تعريفاً اجتماعياً للخير والشر، عوضاً عن التعريف الأخلاقي الطابع؟ فيكون الخير هو الخيار الذي يحقّق منفعة مشتركة ما دون التضحية بالحق الفردي، ودون التسبب بأي انتقاص للحقوق الإنسانية الأساسية لأي فئة اجتماعية أو أي فرد؟

الفارابي: تقصد أن نتبع قول يسوع فنتصرّف حيال الآخرين كما نحب لهم أن يتصرّفوا حيالنا؟ بل، ربما “ندفع بالتي هي أحسن؟” معك حق، ربما كان مفهوم الحسن والسيء أفضل بكثير من مفهوم الخير والشر. آداب التعامل هي أساس قيام المجتمعات والدول، أم القيم فستبقى دائماً موضوعاً خِلافياً لأنها ستحتوي دائماً على العقد الخاصة للأفراد الذين يؤمنون بها.