“من حق أي إنسان أن يقيمني وعملي بالطريقة التي يراها مناسبة”

12 آب، 2007 / موقع “إلى أين سوريا؟”*

س- كيف تقرأ مستقبل سوريا في ظل الضغوط المتسارعة والتحديات داخلياً وعلى الصعيد الخارجي والملفات الكثيرة المفتوحة

مما لا شكّ فيه اليوم أن سورية تقف على مفترق طرق كلّها وعرة ومحفوفة بالمخاطر، وبوسعنا أن نلوم الأطراف والقوى الخارجية ما شئنا هنا، لكن الكثير من اللوم في الحقيقة يقع على عاتقنا أيضاً، نظاماً ومعارضة وشعباً، وذلك بسبب ممانعتنا المستمرّة للتغيير أو عدم قدرتنا عليه.

فيما يتعلّق بالنظام، المسألة هنا تتلخّص في أن الفساد بات جزءاً لا يتجزّأ من كيانه وطريقة عمله، إلى درجة يمكن معها أن نؤكّد بأن استمرار المحاصصة المتعلّقة بموارد الدولة هو المحور الأساسي لعمل النظام، وبات النظام ينظر إلى كل ما يتعلّق بإدارة الدولة ومواجهة تحدياتها التنموية من هذا المنظور. وللأسف، فإن هذه الطريقة في التعامل مع الأمور لا يمكن أن تؤدي أبداً إلى تحقيق أية إصلاحات.

فلنأخذ قطّاع التعليم على سبيل المثال، إن الحاجة إلى تطوير نظام التعليم في وطننا بات حاجة ملحّة وواضحة العيان للجميع، لكن الشيء الوحيد الذي سمح به النظام في السنوات الأخيرة هو إنشاء مجموعة من المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة الباهظة التكاليف والتي تتم إدارتها بأسلوب تجاري بحت والتي لم يراعى في تأسيسها توفر المؤهلات اللازمة لإدارتها ونوعية المناهج والأساليب التعليمية المتبعة. النتيجة: مؤسسات لا قيمة لها على الإطلاق من الناحية التعليمية، ولا يمكن لها أن تلعب دوراً حقيقياً في سد الفجوة الكائنة في نظام التعليم الأساسي. وعلى هذا فقس. كل قطاع من قطاعات الدولة يعاني من ذات الإشكال وعلى مستوى أكبر بكثير: أي مؤسسة جديدة تبنى و أي تغيير يحدث باسم الإصلاح لا يهدف في النهاية إلا إلى خلق فرصة جديدة تجارية لأحد رجالات النظام وتوابعهم، وذلك على حساب سد الحاجة التنموية الحقيقية للبلد.

لهذا، لا يمكن لنا إلاّ أن نخلص إلى أن النظام غير قادر على الإصلاح بسبب الخلل البنيوي الكامن فيه.

من ناحية أخرى، بات من الواضح في السنوات الأخيرة أيضاً أن أحزاب المعارضة لا تقل عجزاً عن النظام فيما يتعلّق بإصلاح نفسها واستنباط آليات جدية للتواصل مع الشعب. طبعاً لا يمكن هنا أن نغفل الدور القمعي للنظام في هذا الأمر، لكن، وفي نهاية المطاف، إذا ما أرادت المعارضة أن يكون لها دور في عملية التغيير فعليها أن تجد طريقة ما للتواصل مع الشارع السوري بكافة مكوناته وأن تطور خطابها وأساليبها في هذا الصدد وأن تشكّل رؤية واضحة المعالم لمستقبل البلد وبرامج يمكن من خلالها أن تثبت جدارتها بثقة الشعب ودعمه، وفي رأيي أن مشروع إعلان دمشق يمثّل خطوة جريئة وواعدة على هذا الطريق.

فالرهان الحقيقي هو دائماً على الشارع، هذا إذا ما أردنا لعملية التغيير أن تكون ديموقراطية الطابع. وعلينا أن نثق في قدرة الناس على القيام بالخيارت الصحيحة في حال عرضنا الحقائق أمامهم كما هي، وعلينا أن لا نخاف من احتمالات الخطأ فيما يتعلّق بالخيارت الشعبية، فالشعوب لا تتعلّم إلاّ من تجاربها التغييرية الخاصة والتي تلعب فيها دوراً محورياً، مهما طالت عملية التعّلم هذه. الديموقراطية ليست وليدة لحظة، ودور النخب هو تسهيل عملية التغيير الشعبي عن طريق التثقيف المستمر في وجه كل الصعوبات لا الفرض والتعامل الفوقي مع الشعب. لقد جربت الأجيال السابقة أن تغيّر المجتمع من فوق والنتيجة: نظام فاسد غير قادر على الإصلاح؟ علينا أن لا نقع في هذا الخطأ مرة أخرى.

قد يرى البعض أن الشارع السوري غير جاهز للتغيير في هذه المرحلة، لكني أعتقد أنه غارق في مرحلة الحسابات اللاواعية والتي تمثّل الطور الجنيني التي تسبق حركات التغيير الشعبية، ودليلي في هذا الأمر هو المقاطعة الشعبية للانتخابات التشريعية والاستفتاء الرئاسي الأخير وصراحة الناس في التعبير عن آرائها في هذا الصدد، خاصة خلال فترة الانتخابات، وتشكيك الشارع المستمر في كل الوعود الإصلاحية التي يلفقها النظام ومطالبته الحالية بمؤازرة الشعب له في ورطته مع المجتمع الدولي. من هنا أهمية التواصل مع الشارع في هذه المرحلة من منطلق تشاركي يتجنّب الفوقية والخطابة والانغماس في الإدانات المتبادلة.

س- برأيكم ما هو المطلوب من سوريا كحكومة ومعارضة لإحداث التغيير الذي تنشده مختلف القوى؟

إذا كان المقصود هنا هو القوى الخارجية، فما تريده القوى الخارجية لا يهم، المهم ما يريده شعبنا وما يمكن من خلاله تحقيق المصلحة الوطنية العامة. فالقوى الخارجية تسعى إلى تحقيق مصالحها وعلينا نحن أيضاً أن نسعى إلى تحقيق مصالحنا، وإذا كان هناك تعارض ما بين هذه المصالح، فهناك وسائل كثيرة يمكن من خلالها إما التوفيق ما بينها أو المواجهة بوسائلها المختلفة. لكن يتوجب علينا في كل الحالات، وخاصة في حالة المواجهة، أن نتأكّد من وجود توافق حقيقي ما بين مصلحة النظام والمصلحة الوطنية العامة، لكي لا تأتي المواجهة على حساب المصلحة العامة. هذا هو الشرط الذي لم يعد يتحقّق في هذه المرحلة، بسبب سياسة الاستئثار والقمع التي انتهجها النظام عبر العقود الماضية.

إن غياب المسائلة والمحاسبة الشعبية للنظام الذي يعد نفسه قيماً على الشعب والوطن بشكل مطلق وغير خاضع للنقاش فرض على الساحة وضعاً باتت المصلحة العامة تتعارض فيه مع مصالح النظام الخاصة، وهذا لا يترك لنا هامشاً كبيراً للمناورة، فإما أن نعمل من أجل المصلحة العامة أو نترك النظام يفعل ما يريد على حساب هذه المصلحة وسلامة الوطن.

لذا، على المعارضة أن تركّز خطابها على الشعب في محاولة جادة ودؤوبة لشرح ملابسات هذا الوضع له وخلق بديل حقيقي وفعّال عن طريق إشراك الشارع في وضع رؤية جديدة لسورية المستقبل. نعم أنا أدرك تماماً أن ظروف العمل في الداخل صعبة جداً، لكن علينا أن نطوّر عادة التواصل مع الناس وأن يكون خطابنا الأساسي موجّه إلى الداخل في كل الأحوال. فالرهان الحقيقي هو على قدرتنا على تفعيل الإرادة الشعبية، فوحدها هذه الإرادة، هذه القوة الداخلية، قادرة على هزيمة قوى القمع والفساد ومواجهة أية مخططات خارجية لا تتماشى مع مصلحة الوطن.

س- ما الذي يعيق توحيد ممارسات المعارضة ميدانياً وقد فشلت أغلب محاولاتها للمّ الشمل في مؤتمر عام يضم مختلف الأطياف؟ ماهي نقاط الإختلاف وأهم الصعوبات؟ هناك أصوات معارضة تنادي بالتغيير ولو على ظهر دبابة  أي لحد الاستنجاد بقوى خارجية، ألا تعتقدون أن ذلك يثير قلق المواطن الذي لايعول على هذه المعارضة الشيئ الكثير؟ 

وحدة جميع أطراف المعارضة بشكل كامل غير ممكن أو محبّذ، لأنه قد ينطوي على تنازلات وتناقضات داخلية كثيرة قد لا تسمح بإنشاء بنية ائتلافية ثابتة قادرة على التأقلم مع الظروف والمتغيرات.

المهم هو تشكيل ائتلاف واسع قادر على تقديم رؤية واضحة وتبني آليات عمل مناسبة للتواصل مع الشارع السوري والأطراف الإقليمية والدولية، علاوة على إيجاد وسائل تنسيق فعّالة بين الأطراف المختلفة بالرغم من الإجراءات القمعية المستمرة للنظام. قد لا يكون الأمر سهلاً، لكنه بالطبع غير مستحيل وإلا لما قامت ثورة في تاريخ البشرية.

أما بالنسبة للمطالبين بتدخل خارجي عسكري، فهناك دائماً مغامرون ويائسون، ولعل الأضواء التي تسلّط عليهم إعلامياً يعكس غياب رؤية واستراتيجيات إعلامية واضحة وفعّالة عند الأطراف ذات المصداقية والمشروعية.

لكن، علينا أن نفرّق هنا، ما بين المطالبة بتدخل عسكري ومطالبة بدعم دولي، فالتواصل مع القوى الخارجية وطلب الدعم جزء لا يتجزّأ من العملية السياسية، وغالباً ما تلجأ الأنظمة ذاتها إلى هذا الأمر، فلم تقوم المعارضة باستثناء نغسها إذاً؟ ولم يطالبها البعض بهذا؟ كيف يمكن للمعارضة أن تكوّن خبرة في مجال العلاقات الدولية ما لم تتعامل مع المجتمع الدولي؟

والأمر نفسه ينطبق على القوى العاملة في المجتمع المدني، إذ لا يمكن للشعوب أن تنفتح على بعضها البعض إذا ما أصرّ ممثليها الأكثر شرعية والأكثر قدرة على التفاعل مع الشعب، أي العاملون في المجالات المدنية، أن يعيشوا في عزلة عن بعضهم البعض. ولاشكّ في أن التواصل الأكثر فعّالية للمجتمعات المدنية يتم عن طريق المؤسسات وعلى نحو منهجي.

نعم أن أعرف أن النظام يحاول دائماً عن طريق أجهزته القمعية ومحاكمه الغير شرعية أن يبتر أية صلة للداخل مع الخارج خارج نطاق سيطرته، لكن مواجهة هذا الوضع هو جزء من التحدي. ففي اللحظة التي تنقطع فيها صلتنا مع الخارج نتحول إلى عبيد وليس فقط إلى رهائن في أيدي النظام.

س- إذاً أنت تطالب بثورة على الصعيد الداخلي وباستمرار تطوير العلاقات مع المجتمع الدولي على الصعيد الخارجي؟

ألا تشكّل المطالبة بالتغيير الشامل مطلباً ثورياً؟ وألا تستدعي أوضاعانا المزرية ثورة شاملة؟ لقد أورثتنا سياسة الترقيع التي انتهجناها عبر العقود الماضية خرقة بالية في زي دولة. علينا تدارك هذا الأمر قبل فوات الأوان. لكن بالطبع، ،حن نستخدم هنا مصطلح الثورة بمعناه الثقافي والمجازي وليس من أي منطلق عنفي. ولهذا أصرّ في هذا الصدد على استخدام مصطلح “ثورة الياسمين” كتعبير عن التزامنا التام بمنهج العمل المدني السلمي، والتزامنا ببث وعي مدني ديموقراطي مهما طال بنا الوقت.

أما بالنسبة للتعامل مع المجتمع الدولي، فنعم، لابد من أن نعمل في هذا الصدد على عدة مستويات، بما فيها المدني والسياسي الاقتصادي. لأن الهدف على المدى الطويل هو أن نبني مؤسسات موازية للمؤسسات الفاسدة والقمعية في المنطقة، مؤسسات قادرة على التفاعل مع المجتمع من منطلق تشاركي وقادرة على تمثيله في المحافل الدولية بشرعية أكبر من تلك المتوفرة للأنظمة الاستبدادية.

س- إلى أي مدى توافقون خدام أحد مؤسسي جبهة الخلاص الوطني بتبنيه الديمقراطية وهو مسؤول عن  تركة عقود ثقيلة في تاريخ سوريا سيما وأنك، وحتى وقت قريب، كنت تمثّل الجبهة في واشنطن؟

الديموقراطية لا تأتي من أشخاص وأحزاب، بل من الضغط الشعبي. أهمية انشقاق خدام ونشاطاته الحالية على الساحة السياسية يكمن في القلق الذي سبّبه هذا التطور للنظام. والفائدة الأساسية التي تولّدت عن جبهة الخلاص الوطني هي استكمال حالة الحصار التي فرضها النظام على نفسه على الساحة الخارجية، وهذا بحدّ ذاته إنجاز يحسب للجبهة.

على أية حال، وكما نوهت في سؤالك، أنا لم تعد تربطني أية علاقة بالجبهة الآن، بعدما قررت التفرّغ لهاجسي الأول، ألا وهو العمل المدني من خلال مشروع ثروة.

س- تتكرر مطالب الجميع بفتح ملفات الفساد على أرفع المستويات ولا يتغير فعلياً شيئاً – معظم الأطراف عاجزة  عن كشف المستور أو ليس لديها وثائق وأدلة وحتى ما يتم تسريبه لوسائل الأعلام لاجدوى منها. ألا يعتبر ذلك تقصيراً من قبل أطراف عديدة تدّعي ملاحقة من نهب ثروات البلاد والعباد؟ من ناحية أخرى، يشير مجلس الشعب بشكل أو بآخر إلى ملفات الفساد، برأيك هل هي بداية الإصلاح وإن بدا متأخراً أم أن الموضوع شكلي بحت؟

نحن في سورية نعيش في ظل المقولة الشعبية “حاميها حراميها،” لذا، لا يمكن لنا أن نتوقّع لأي أحد في السلطة أن يقوم بفتح أي ملف فساد حقيقي ومتابعته حتى النهاية. وكل ما يجري بين الحين والآخر في هذا الصدد لا يعد عن كونه تصفية للحسابات الداخلية، واستبدال وجه بآخر لا يقل عنه فساداً أو رغبة في الفساد. في وضع كهذا، وحده الشعب قادر على فتح ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين. والطريقة للبدء هنا هي عن طرق المظهارت والاحتجاجات الشعبية المطلبية، أي التي تدور حول قضايا بعينها، وتركّز مبدئياً على مناطق ونواحي معينة. 

س- منظمات حقوق الإنسان تنتقد ملف الاعتقال التعسفي بشكل علني، والكثيرون يعملون داخل الوطن وعلى الصعيد الشعبي في الشؤون المتعلّقة بحقوق الإنسان دون تحقيق نجاحات تذكر. على ضوء ذلك، كيف تقيمون واقع حقوق الإنسان في سوريا؟ وما هو المطلوب من تلك المنظمات؟ ألم تفقد مصداقيتها بتعدادها المفرط، فالقيمة بالنوع وليس بالكم؟ أم هل تعاني المنظمات من الآفة الحزبية ذاتها المتجلية في استمرار الإنشقاقات؟

العمل في الشأن العام، سواء في المجال السياسي، الاجتماعي، الحقوقي أو المدني، في أجواء مفعمة بالخوف والقمع والترهيب لا يمكنه إلاّ أن لا يفرز تطورات من هذا النوع. إذ لا يمكن لتفاعل وتصادم المخاوف، والرغبات، والأحاسيس المفرطة، والنرجسيات، في ظل التلاعب المستمر للأجهزة الأمنية، أن لا يؤثر سلباً على علاقاتنا المتشعّبة. ولايوجد حل لهذا الأمر إلا التفهم والتسامح والجلد. أما المصداقية، فمثابرتنا وتضحياتنا هي التي تكسبنا المصداقية.

وفي الحقيقة، لايمكن لمن يعمل في الظروف التي يعمل بها الناشطون الحقوقيون في الداخل ألاّ يتمتع بالمصداقية. المشكلة أن أحداً لا يسلّط الأضواء على نشاطاتهم وتضحياتهم، الشعب في الحقيقة لا يعرف من هم أبطاله الحقيقيين ومن هم جديرون بأن يكونوا قادته الفعليين. إن إحدى مهماتنا الأساسية في الخارح تتلخّص في أن نسعى وباستمرار لتسليط الأضواء على نشاطات زملائنا في الداخل ودعمهم، لا أن نحاول أن نتسيّد على حسابهم، ونحن في الحقيقة مقصّرون كثيراً في هذا الصدد.

س- لماذا؟

العمل في الغربة والمنفي له تحدياته أيضاً، إن مشاكل الوطن تبدو بعيدة بالنسبة للغالبية العظمى من السوريين المقيمين في الخارج، حتى الناشطين منهم، والعلاقة بالوطن تصبح مقيدة بالرومانسية والحنين والخوف على من بقي. والانصهار في بوتقة المجتمعات الجديدة، وهو ما يحدث، عاجلاً أو آجلاً، وإن بدرجات مختلفة، يعقّد الأمور أيضاً.

ومع ذلك، لا يوجد ما يبرّر استمرار هذا الوضع أكثر من هذا. علينا أن نعمل بجد لنجد حلولاً تساعدنا على تسليط المزيد من الأضواء على معانة شعبنا وناشطينا، هذا واجبنا، ولقد تقاعسنا بما فيه الكفاية.

س- تعرّضت في الفترة الأخيرة لهجوم حاد من بعض الجهات، ولقد نال هذا الهجوم من بعض العاملين في المشروع أيضاً، بل طال أشخاصاً لم يعد لهم علاقة بالمشروع منذ زمن طويل. هل تريد أن تعلّق على ذلك؟

أنا أعمل في الشأن العام، ومن حق أي إنسان، حتى ولو لم تكن هناك له أية علاقة بي، أن يقيّمني وعملي بالطريقة التي يراها مناسبة وتتلائم مع منظوره الخاص للأمور. المهم بالنسبة لي هو أن نستمر في عملنا كفريق دون أن نعير الأصوات المتهجّمة الكثير من الأهمية. فالأقاويل حولنا ستكثر في الفترة القادمة لأننا أثبتنا وجودنا على الساحة، ولأننا نعمل وفقاً لمعايير مختلفة و منهج مختلف.

ولو توقف الموضوع عند الأقاويل فحسب، لكنت أسعد البشر. لكن، وكما نعرف في هذا المجال، فالضغوط على المحيطين بنا واردة، وذلك بصرف النظر عن علاقتهم بنشاطاتنا أو موافقتهم عليها أو رفضهم لها. النظام لن يفرّق لأنه لا يريد أن يفرّق، بل يسعى فقط إلى الترهيب والهيمنة. لذا، سيحاول رجالاته أن ينحو باللائمة علينا فيما يتعلّق بتصرفاتهم القمعية، ويتهمونا نحن بالأنانية واللامبالاة أو حتى بالعمالة، معهم وضدهم في آن. وسيتفق معهم الكثيرون في ذلك من منطلقات مختلفة بعضها ساذج أو سلبي (مثل “حكمة” الابتعاد كلية عن مواقع الضرر، أو ضرورة أخذ التحديات الراهنة بعين الاعتبار، أو من منطلق اليأس من الشعب ورغبته في التغيير)، والآخر كيدي بحت.

ولكن، إن كنا نؤمن بالوطن حقاً ونؤمن بأنه فعلاً في خطر، بل وأن إنسانيتنا نفسها في خطر، كما لا نكفّ عن القول هذه الأيام، فعلينا أن نستمر. هل نملك خياراً آخر حقاً يمكن لضمائرنا أن ترضى عنه؟ وهل اختار أحدنا هذا الطريق عن غير دراية حقاً بالمخاطر التي تحفّ فيه؟ لا أعتقد ذلك.

س- ولكن، ألا يوجد أي شيء يمكن أن نفعله الآن من أجل حماية الناس من حولنا ودعمهم وعائلاتهم؟

هناك الكثير مما يمكن فعله، لكننا لا يمكن أن نستعجل الأمور في هذا الصدد إذا أردنا فعلاً لجهودنا أن تؤثر على المجريات. نحن نتعامل مع نظام استبدادي من الدرجة الأولى في ظروف داخلية وإقليمية حرجة جداً، لذا، ومهما كانت اللوعة في القلوب كبيرة، ومهما كانت الحرقة موجعة، علينا أن نتأنى فيما نعمل إذا ما أردنا الاستمرار على الساحة. ولنذكر هنا أن العناد أكثر أهمية في عملنا من العبقرية. العناد والتضحية. ويؤسفني كثيراً أن أتكلّم عن ضرورة التضحية وأنا في مأمن نسبي في واشنطن، لكن، مكره أخاك…

على أية حال، نحن ما زلنا في بداية الطريق، وهو طريق محفوف بالمخاطر كما ذكرنا، لكنه قد لا يكون بالطول الذي نخاله للوهلة الأولى. فصبراً “آل ثروة،” إن جاز التعبير، ولا تنسوا ما نعيش ونعمل من أجله. نحن سنصنع مستقبلنا، لن ترك أحداً يصنعه لنا. لقد بدأت فترة الامتحان بالنار بالنسبة لنا فيما يبدو، وهذا ما كان سيحدث إن عاجلاً أو آجلاً نظراً لطبيعة التحدي الذي وضعناه نصب أعيننا، ولكني أعتقد أننا قادرون على التعامل مع متطلبات هذه الفترة، من منطلق إيماننا برسالة المشروع وضرورة التغيير ومعرفتنا ببعضنا البعض، وإن حدث هذا الأمر عن بعد في معظم الحالات.

ولا أريد لكلامي هنا أن يترك انطباعاً بأننا جماعة إيديولوجية جديدة. على العكس، هدفنا هو أن نحرّر أنفسنا وعقولنا من الإشكالات والقيود الإيديولوجية التي لا تتوقف مجتماعاتنا ونخبنا عن تفريخها، وأن نفكّر خارج إطار الإيديولوجيات والمفاهيم السائدة والتصورات المسبقة، خاصة تلك المتعلّقة بعلاقاتنا البينية كأفراد وتجمعات بشرية، ثقافية وقومية ولغوية ودينية، لكي نركّز أكثر على مشكلاتنا البنيوية والتنموية التي طال إهمالها. إذ لا يمكن للحرية أو العدالة الحقيقية أن تتحقق بلا تنمية، تماماً كما لا يمكن للتنمية أن تتحقق على أيدي الجماعات الإيديولوجية، وإلاّ لكنا نعيش في رخاء وبحبوحة اليوم.

نحن هنا لنبقى ونستمر وننمو ونتطور ونخبر الحياة بكل ما فيها من تجارب لنعيد إنتاج الأمل في مجتمعاتنا من جديد. 

 

موقع “إلى أين سوريا؟” هو أحد المواقع العديدة التي أدارتها مؤسسة ثروة ما بين 2006-2007.