معضلة التأييد الدولي – 2

في الوقت الذي يناضل فيه ناشطو الدمقرطة في منطقتنا من أجل إيقاف عملية المماهاة والاختزال المستمرة لكيان الدولة القائمة في كيان النظام الحاكم، إن لم نقل الشخص الحاكم ذاته، نجد أن الكثير منهم يقعون، على غير قصد، في مطب المماهاة والاختزال ذاته فيما يتعلق بالمجتمع الدولي، أولاً، من خلال رفضهم التمييز ما بين المؤسّسات المدنية القائمة فيه وفي كل دولة من دوله، وما بين حكوماته المختلفة والمؤسّسات الممثلة لها، وثانياً، من خلال رفضهم التفرقة ما بين موضوع التعامل مع الحكومات المنتخبة ديموقراطياً وموضوع التعامل مع الأنظمة الدكتاتورية، وثالثاً، من خلال عدم قدرتهم على التمييز ما بين ضرورة التفاعل مع هذه الحكومات المنتخبة وموضوع الموافقة على كل سياساتها بالمطلق.

لكن الواقع أن المؤسسات المدنية العاملة في المجتمعات الديموقراطية تتمتع بحيز كبير للعمل والمناورة يسمح لها في الكثير من الأحيان بمخالفة سياسات دولها وحكوماتها، ويأتي التشكيك المستمر فيما يتعلّق بصحة هذه الملاحظة من قبل الكثير من الناشطين في المنطقة كدليل كبير على انقطاعهم عن الثقافة الديموقراطية كواقع عملي (ولا يمكننا لومهم هنا في الحقيقة، فهم أبناء مجتماعاتهم)، أو على عدم وجود فهم وقبول حقيقيين لواقع الحياة والعمل في دولة ديموقراطية (وهنا ينبغي علينا أن نلوم ونحذر).

من ناحية أخرى، لا يعد التعامل مع الحكومات المنتخبة ديموقراطياً عمالة لها، ولا ينبغي له أن يعد كذلك، ولا يتضمن التعامل مع إدارة أو حكومة ديموقراطية ما موافقة مغفلة أو متضمنة على أي من سياساتها.

العمل في الأجواء الديموقراطية يسمح بـِ بل يتطلب العمل مع الآخر المختلف بل المختلف جداً. وموضوع التمثيل السياسي في الساحة الديموقراطية يتطلب العمل والمثابرة والاصرار على المشاركة حتى في الحالات التي تجري فيها الرياح بما لا تشتهي سفن بعض المشاركين، لأن من يغيب عن الساحة بإرادته يفقد تمثيله عملياً. فالأنظمة الديموقراطية لا تأخذ آراء المستنكفين والكسالى بعين الاعتبار عند صنع القرار، بل تكتفي باحترام حقهم بالاستنكاف ورفض المشاركة. إن الأنظمة الديموقراطية تسمح لكل الآراء أن تطرح نفسها على الساحة، لكن النجاح في التأثير على صنع القرار يتطلب العمل والتنظيم. لذا، فأن رفض العمل مع الأنظمة الديموقراطية، مهما كان العذر المقدم هنا (أنها ليست ديموقراطية فيما يتعلق بالمنطقة، أو أنها رأسمالية، أو عنصرية، إلخ.)، سيترك الساحة الدولية للأنظمة الديكتاتورية لتبقى هي الناطقة الوحيدة باسم شعوبنا، فتبقى تروج لوجهة النظر القائلة بأن شعوبنا ليست جاهزة للديموقراطية وأن البديل عن الأنظمة القائمة هي حكومات تقودها قوى التطرف والجهل في مجتمعاتنا، وأنه، في خاتم المطاف، لا وجود لبدائل مدنية حقيقية على الساحة، لأنها لو كانت موجودة فعلاً للاحظ الجميع وجودها.

وبمقاطعتنا للساحة الدولية نبقى نحن منقطعين عن ألفباء العمل المدني والسياسي، بأبعادهما المتشابكة دائماً، سواء في مجتمعاتنا أو المجتمعات الديموقراطية. لذا، ربما كان خيار المقاطعة تعبيراً عن عجز ويأس وإحباط وخيبة، أكثر منه تعبيراً عن قناعة عقائدية حقيقية.