الثورة السورية والمعارضة ومشكلة انعدام الرؤية

إن التعامل مع الثورة كمجرّد تحدّي لوجستي وميداني يعرّض منجزاتها للخطر، فسوريا هي القلب النابض للكثير من الإيديولوجيات في المنطقة، ولقد نجح نظام الأسد منذ فترة طويلة وحتى اللحظة بالتلاعب بها كلها وتجييرها لبقائه ولخدمة مخططاته. إن التحدي الذي يواجهنا اليوم يكمن في فضح نفاق وكذب الأسد وزلمه وفي تسليط الأضوء على الحقائق التي تم تغييبها. وتقع على عاتقنا أيضاً مسؤولية رسم رؤية جديدة للمستقبل، الآن وليس غداً، لأن وضع رؤى مقنعة على ساحة التداول والبحث هو السلاح الوحيد الذي قد يساعدنا على شقّ صفوف معسكر الأسد، فالناس يريدون أن يعرفوا لماذا يتوجّب عليهم النضال وماهي طبيعة المرحلة التي ندعوهم إلى الانتقال إليها. ويكفي الأسد في هذا الصدد أن يستغل مخاوف الناس وجهلهم وتعصّبهم ليقدم سيناريو سلبي خاصة لأتباعه منهم، ليقنعهم بأن التغيير يعني الفوضى والعنف والإرهاب وانعدام الأمان والاستقرار.

إن مسؤولية تقديم رؤية إيجابية جامعة عن سوريا المستقبل، سوريا التي يمكن فيها لكافة مكوّنات المجتمع السوري أن تعيش بأمان واستقرار تقع على عاتق الثوار، ولايمكن تأجيل تقديم هذه الرؤية للمرحلة التي تلي نجاح الثورة، لأن مفتاح نجاح الثورة، والذي يتطلّب شقّ صفوف مؤيدي الأسد، يكمن إلى حدّ كبير في قدرتنا على تقديم الرؤية المناسبة. من هذا المنطلق تأتي إشكالية التصريحات الأخيرة التي قام بها البيانوني وغليون، بغض النظر عن الاعتذارات والتفسيرات والتبريرات التي تلتها، لأن هذه التصريحات دعّمت موقف الأسد وأتباعه، وأثارت مخاوف الكثير من الصامتين وعزّزتهم في موقفهم، وشقّت صفوف المعارضة ذاتها. مازالت قوى المعارضة تتعامل باعتباطية وارتجال مع التحديات الراهنة، وهذا أمر مخزي ولايقلّ إساءة للثورة عن القمع الذي تمارسه ميليشيات الموت التي جنّدها الأسد وعبّئها عقائدياً لترى حتى في أطفال الثورة أعداءاً ينبغي قتلهم.