بعض الملاحظات على تصريحات الدكتور بشار

2000*

بغضّ النظر عن ماهية الخلاف ما بين النظام السوري و القيادات الروحية المارونية في لبنان، فإن تصريحات الدكتور بشار في هذا الصدد، و التي جاءت خلال المؤتمر الصحفي الذي انعقد في ختام قمّة القاهرة، لم تكن موفّقة في الحقيقة و من وجهتين لا واحدة. 

الأولى، إن رفض الدكتور بشار التعامل مع ما أسماه “بالتفاصيل الصغيرة” على أساس أنه يمثّل ما أسماه “بالعنوان العريض” أو الدولة السورية، و لا يمكنه بالتالي إلا التعامل مع  “عنوان عريض” آخر، ألا و هو الدولة اللبنانية. أقول: إن هذا الرفض من قبل الدكتور بشار لم يكن حكيماً، و ذلك للأسباب التالية: أولاً، إن البطرك مار نصر الله بطرس صفير ليس تفصيلاً صغيراً على الصعيد اللبناني بل هو القائد الروحي المسيحي الأول، و هو بصفته هذه لا يقلّ عن أولئك المسؤولين اللبنانيين الذين استقبلهم الدكتور بشار بكل ترحاب في قصره بدمشق أبان الانتخابات اللبنانية. ثانياً، إذا لم يكن بمقدور الدكتور بشار أن يتعامل مع الموضوع بصفته ممثل العنوان العريض في سورية، ألم يكن بمقدوره توجيه “التفاصيل السورية الصغيرة” للتعامل مع “التفاصيل اللبنانية الصغيرة” على نحو أفضل مما كان، بحيث يتمّ احتواء الموقف عوضاً عن تصعيده، خاصّة و نحن نواجه موقفاً صعباً فيما يتعلّق بعملية السلام من ناحية و الإصلاحات الداخلية من ناحية أخرى؟ ثالثاً، ألم يكن من الأنسب لو أن الدكتور بشار اغتنم هذه الفرصة و أعلن على الملء رؤيته الشخصية لمستقبل العلاقات السورية اللبنانية بعامّة و مستقبل سورية ذاتها بخاصّة، إذ لربما أدّى مثل هذا الإعلان لاحتواء الموقف مباشرة. 

و هذا يقودنا إلى الوجهة الثانية، ألا و هي أن الدكتور بشار لم يأخذ في اعتباره على ما يبدو أن الكثير من السوريين كانوا ينتظرون أن يسمعوا منه كلاماً يطمئنهم فيما يتعلّق بالوضع الداخلي في سورية ذاتها. لكن، و ياللأسف،  جاء كلام الدكتور ليزيد من قلقنا. لأن الدكتور لو كان أبدى مرونة و انفتاحاً في التعامل مع المسألة اللبنانية لكنّا توقّعنا منه الشيء نفسه فيما يتعلّق بالوضع الداخلي الذي يشوبه الجمود. و لو كان أبدى استعداداً مبدئياً لمناقشة موضوع الوجود السوري العسكري في لبنان في الوقت المناسب لكنّا توقّعنا انتقالاً في طريقة تعامل السلطة في سورية مع الشعب من المستوى العسكري القمعي إلى المستوى المدني الحضاري. لكنه لم يفعل، بل إنه انتقد اللجوء إلى الإعلام كطريقة مشروعة للتعبير عن الرأي و إثارة القضايا التي حان وقت معالجتها. و هذا سوء فهم خطير لدور وسائل الإعلام الحرّ في البلاد. فالإعلام في كثير من الأحيان هو الملاذ الأخير لمن يشعرون بأن قضاياهم بل و وجودهم ذاته أمر يتمّ تجاهله. و وسائل الإعلام في معظم الأحيان تؤدّي دور الجسر الذي يصل ما بين الحكومة و الشارع حتى في أكثر البلاد تحرّراً، و لولا ذلك لانتفت العدالة. إن الإعلام وسيلة هامة للتخاطب ما بين الحكومة و الشعب من جهة و ما بين الناس بعضهم ببعض من جهة أخرى. و هذه لعمري حقيقة ما توقّعت أن تخفى على الدكتور بشار. 

و كيف يمكن للدولة السورية على أية حال أن تجري حواراً مع مثقّفيها و شعبها إن لم تقم بهذا الأمر عن طريق وسائل الإعلام؟ إنها لحقيقة بالغة فعلاً أن يجري  هذا الحوار عن طريق الصحف العربية، و بالأخصّ الصحف اللبنانية. و نحن حتى الآن لم نسمع أي تصريح رسمي للدولة بشأن أي من المقالات و التعليقات و البيانات التي نشرها المثقّفون السوريون، هذا على الرغم من أن بعضهم يلجأ لاستعمال لغة التهديد الآن و يقحم اسم الدولة في الموضوع، و أن بعضهم الآخر قدّم مطالب محدّدة للدولة.  فهل يرفض “عنواننا العريض” التعامل مع التفاصيل الصغيرة في الداخل أيضاً؟ 

* لست واثقاً من التاريخ الدقيق لهذا المقال.