23 حزيران، 2006 / مدونة “أقوال وأفكار”
لا يستطيع الناس أن يعترفوا، حتى في قرارة أنفسهم، بالشكوك التي تنتابهم فيما يتعلّق بمعتقداتهم الدينية.لذا، تراهم يحتفون بالإيمان الأعمى، ويخفون على أنفسهم خيانتهم الحقيقية من خلال التصريحات القوية والتعصّب الشديد. ديفيد هيوم، “أطروحة حول الطبيعة البشرية” 1739
حوار
ابن سينا: وغالباً ما يؤدي هذا العجز على الاعتراف بوجود هذه الشكوك المعتملة في النفوس وعلى مواجهتها إلى الانجراف نحو الغيرة الشديدة من كل أولئك الذين قدروا على المواجهة وتوصّلوا من خلالها إلى إجراء تسويات داخلية معينة وصياغة قناعات جديدة أكسبتهم ثقة بالنفس وجعلتهم يتصرّفون وفق أنماط مختلفة أكثر اتساقاً وانسجاماً مع مبادئهم الجديدة. وربما كانت هذه النزعة هي السبب المباشر لتلك الكراهية الشديدة التي يضطر الليبراليون إلى مواجهتها كل يوم.
الكندي: لكن، علينا أن لا ننسى أيضاً أن الليبراليين غالباً ما يستجلبون الأحقاد على أنفسهم من خلال إصرار بعضهم على الأقل على تحقير وتسفيه القيم السائدة في مجتمعاتهم.أي نعم، ربما كان من الصعب على المرء أن يأتي بجديد دون أن يسعى لتفسير هذا الجديد من خلال وضعه في سياق القديم ومن خلال إجراء المقارنات اللازمة التي لابد وأن تحتوي على إبراز المآخذ المناسبة على القديم التي تبرّر وتفسّر وتصب في صالح تبنّي ما هو جديد. لكن، هل من الضروري فعلاً أن يلعب التسفيه والسخرية من المقدسات دوراً في هذه العملية الجدلية؟
ابن رشد: شئنا أم أبينا سيلعب التسفيه دوره هنا لأن هذا الأمر مرتبط ارتباطاً مباشراً بالتكوين النفسي لبعض الشخصيات الليبرالية في لحظة معينة. وفي الحقيقة، من الواضح أن للتسفيه والسخرية من المقدسات دوراً قد يكون إيجابياً في الكثير من الحالات من حيث قدرته على تسهيل انخراط البعض في عملية المواجهة مع الشكوك وفي عملية التحوّل من معتقد لآخر، حتى في حال كون المعتقد الجديد أكثر انفتاحاً في جوهره. فالنفس الإنسانية أكثر تعقيداً من أن تُلّخص في مقاربة عقلانية صرفة للأمور. بل يبدو من من الحكمة هنا أن نعترف أن العقلانية ليست مفتاح كل شيء، وإلاّ لما اختار أغلب الناس أن يتهرّبوا من مواجهة الشكوك المعتملة في أنفسهم ولجؤا إلى الغيرة والتعصّب. الإنسان ليس عقلاً فقط، ولاينبغي اختصاره في العقل، تماماً كما أن العاطفة ليست شراً مستطيراً ينبغي تحييده، فللعاطفة دورها الإيجابي ايضاً في عملية تطوّر الوعي الإنساني. لذا، يمثّل الإصرار على المقاربة العقلانية الصرفة للأمور خطئاً فادحاً في عملية الجدل، ولعل المقاربة المناسبة هي تلك التي تحاول أن تحتفر دوراً أكثر فعّالية وتأثيراً للعاطفة في عملية الجدل.