الحرب

19 تموز، 2006 / مدونة “أقوال وأفكار”

ابن رشد: الحرب، مازال البشر منقسمون في موقفهم الفكري والنفسي من الحرب منذ بدأ الخليقة (ودعونا لا نختلف على كيفية بدأها هنا)، وسيبقون كذلك. فالحرب شأنها كشأن أي نشاط بشري، لا يمكن لها أن تجمع إلا بقدر ما تفرّق، ولا أن تنفّر إلاّ بقدر ما تجذب. 

لكن الحرب تبقى واقعاً بشرياً لا يمكن لأيّ منا أن يهرب منه، فهي غالباً ما تفرض نفسها علينا، كفكرة أو حقيقة واقعة، أينما كنا، وربما أكثر من مرّة في حياتنا، مهما قصرت أو طالت. 

لكن، هل يمكن للحرب في عالمنا هذا أن تستمرّ إلى ما لا نهاية؟ ألا يمكن لها أن تتحوّل في ظروف معينة إلى نشاط عبثي، هذا إذا افترضنا أنها ليست نشاطاً عبثياً من الأساس؟ ألا يمكن استبدالها بوسائل أخرى، خاصة في وقت عاصرنا فيه بدايات جدية وموفّقة للنضال اللاعنفي؟ وهل من الممكن أن نقنع الناس، الذين ما يزال تجييش عواطفهم وتحريك غرائزهم أمراً سهلاً عند الكثير من الحكّام والمبشّرين، بالتحوّل إلى الأساليب اللاعنفية بالسرعة الكافية للحؤول دون تردّي الأوضاع في مناطق معينة من هذا العالم؟ أم هل نحن “مقدّرون” للحرب؟ أسئلة كثيرة، وأنا واثق أن هناك أسئلة أكثر يمكن أن نطرحها في هذا الصدد، ولكن أولاً، دعونا نستشهد ببعض الآراء في هذا الصدد. 

يشعر المرؤ هذه الأيام أن الحرب لا تحسم شيئاً، وأن الفوز بالحرب لا يقلّ كارثية عن خسارتها. آجاثا كريستي (1890-1976) السيرة الذاتية

الحرب شيء بشع، لكنها ليست أبشع الأشياء. فالمستوى المبتذل والساقط لذلك الحسّ الأخلاقي والوطني الذي يرى أن لا شيء يستحقّ خوض الحروب من أجله هو أبشع بكثير. فالشخص الذي لا يملك شيئاً هو على الاستعداد للقتال من أجله، والذي لا يوجد شيء في نظره أهم من سلامته الشخصية، هو مخلوق بائس ولايملك أية فرصة ليكون حراً، مالم يتكفّل أشخاص أفضل منه بتحقيق حريته والزود عنها. جون ستيوارت ميل (1806-1873)

مالفرق عند الموتي واليتامى والمشرّدين أن يكون الدمار المجنون الذي تعرّضوا له حدث باسم الشمولية أو بالاسم المقدّس للحرية والديموقراطية؟ المهاتما غاندي (1869-1948) “اللاعنف في الحرب والسلم”

لا تعتقدوا أبداً، أبداً، أبداً، أن الحرب التي ستخوضونها ستكون سهلة وسلسة، أو أنه يمكن لأي أحد يقرّر القيام بهذه الرحلة الغريبة أن يقدّر قوة التيارات والأعاصير التي سيصادفها. لابد لرجل الدولة الذي يستسلم لحمّى الحرب أن يدرك أنه ما أن يعطي الإشارة بالبدء، لن يكون بعدها سيد الموقف، بل سيصبح عبداً للأحداث الغير المتوقعة والتي لا يمكن السيطرة عليها. وينستون تشيرتشيل (1874-1965)

حوار

ابن خلدون: الحرب شيء بشع نعم، لكن مازال بوسع بعض الحروب، مهما بدت عبثية وبشعة، أن تحسم بعض الأمور، كما فعلت الحرب العالمية الثانية مثلاً. لا أعتقد أن الإنسانية بلغت مرحلة تطور في وعيها كافية لتجنّب الحرب بأنواعها وضروبها، ولا أرى أن إدانة الحرب بشكل كامل ونهائي أمر ممكن بعد. لا مفرّ لذلك من التعامل مع كل وضع وفقاً لمعطياته الخاصة ومن ثم نقرّر ما إذا كانت الحرب مبرّرة أو “عادلة.”

ابن سينا: ربما كان علينا أن نقرّر أيضاً إذا كانت هناك وسائل أخرى غير الحرب للوصول إلى ما نريد، خاصة في الحالات التي تخدم فيها الحروب مصالح الفئات المتسلّطة في المجتمع على حساب الطبقات الأخرى. ربما ومن خلال السعي المستمرّ والدؤوب لبناء مفاهيم متكاملة جديدة وموازية يمكن لنا طرح خيارات أمام الناس لا تتراوح ما بين الحرب والخنوع.

الفارابي: المشكلة تكمن في قدرة جانب واحد فقط يتصرّف بطريقة مستبدة ومتفرّدة وغير عقلانية على افتعال الحروب، أو تقديم العذر لطرف آخر، لا يقلّ عنه رغبة في الاستبداد، لافتعالها. فالسؤال الحقيقي إذن، هل توجد هناك طريقة تمكّننا من تجريد هؤلاء الأشخاص من قدرتهم على افتعال المآزق والحروب، وماهي هذه الطريقة؟

الكندي: ما لم تكن الشعوب على استعداد للوقوف في وجه كل من يتصرّف باسمها دون استشارتها أو دون أن يكون مسئولاً أمامها عن تصرفاته ونتائجها، لا يمكن لنا أن نحدّ بشكل فعّال من قدرة المغامرين والمستبدّين بالقرار على التصّرف وافتعال الأزمات واستجلاب الكوارث. لكن هذا الأمر صعب المنال حتى في الدول الديموقراطية، فكيف هو الحال مع الشعوب المجهّلة والخانعة؟