إسأل “كيف؟” لا “لِمَ؟”: الثورة ما بين التحريض والتبرير

علينا أن لا نضيع الكثير من الوقت في محاولة تبرير الثورة وتفسير أسبابها، على الأقلّ فيما يتعلّق بالجمهور الداخلي، فواقع الظلم الذي نعيشه هو خير وأفصح مبرّر، إن عملية التحريض على الثورة، لا علاقة لها بالتبرير، بل هي عملية نفسية محضة تهدف إلى كسر حاجز الخوف لا لشرح الأسباب.

علينا أن نكثّف جهودنا فيما يتعلّق بهذه العملية، وعلينا أن نفكّ الربط بين مفهومي الثورة والمعارضة السياسية، فالثورة التي ننشد، وإن كانت ياسمينية الطابع، هي ثورة بالأصل إجتماعية، تهدف إلى رفع المظالم ومحاربة الفساد والفاسدين وتحسين أوضاع المعيشة وتبنّي المؤسّسات السياسية والإقتصادية المناسبة لذلك. لذا، علينا أن نكثر أيضاً من الكلام عن كيفية وآليات ووسائل وأهداف الثورة بأكثر ما يمكن من التفصيل حتى تصبح الثورة بالنسبة لنا جميعاً حقيقة واقعة في كل لحظة، ويصبح التنفيذ تحصيل حاصل.

هذه آليات معروفة ومتبعة في كلّ الحركات الثورية الطابع، سواء كانت متنوّرة أو غير متنوّرة، ولا شكّ أبداً في أنها الأساليب المتبعة عند الخلايا الإرهابية، بغض النظر عن العقائد المطروحة. لكن الفرق بين ما نطرحه هنا وما يُطرح هناك هو إصرارنا على مجانبة الطرح العقائدي واليوتوبي. فمن الواضح أننا نأتي من مشارب متنوّعة من الناحية السياسية والإيديولوجية والإثنية، ومن الواضح أننا لا نسعى من خلال ثورتنا إلى بناء مدينة فاضلة، بل إلى انتزاع فرصة ثمينة من مخالب التاريخ لبناء حياة أفضل لنا ولأولادنا من بعدنا.

وبعد الثورة سيعود كلّ منا إلى تياره السياسي المناسب له، هذا بعد أن نتفق على النظام السياسي الأكثر ملائمة لبلدنا. وقد لا تكون هذه الخطوة سهلة بالطبع، ولكنها لن تكون بتلك الصعوبة أيضاً، طالما أننا متفقون على احترام كلّ ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

أجل، التغيير الثوري في بلادنا “ممكن وضروري.”

حوار:

قال: عندما يتعلّق الأمر بالتحريض، لا بد من رسالة ولا بد من رسول. لكن، وفي حين لا يستحيل علينا أن نصوغ الرسالة، لن يكون إيجاد الرسول بالمهمة السهلة على الإطلاق.

قلت: نحن الرسل. كلّ من وصل إلى قناعة تامة بأهمية وضرورة وحتمية الثورة، بات رسولاً. الثوري كان دائماً رسولاً، سواء بشّر بعقيدة تغييرية معينة، أم لا. أما فيما يتعلّق بموضوع الرسالة، فهنا التحدي الحقيقي، خاصة في غياب البعد العقائدي. فنحن لا نهدف إلى التبشير بعقيدة معينة، إلاّ إذا تصوّرنا أن الدعوة إلى الالتزام بحقوق الإنسان الأساسية والمنصوص عليها في الشرائع الدولية يمثل بحد ذاته عقيدة ما.

قال: الثورة تبدأ كفرض نخبوي، على الأقل فيما يتعلّق بساحة الأفكار، ومن ثم تتطوّر إلى خيار شعبي، وذلك بغض النظر عن الرغبات والمبادئ الديموقراطية المتعلّقة بها.

قلت: لا شكّ في أن هناك فترة تحضيرية نخبوية الطابع لأي عملية تغيير شعبية، لكن كسر حاجز الخوف وهزيمة آلية الانكار لا يتحقّقا بالضرورة عن طريق الفرض، ولا عن طريق التحريض المباشر، بل عن طريق العدوى. الناس ترغب في التغيير، وترغب به في العمق، لكن الخطوات الأولى لا يمكن لها أن تتم بشكل شعبي مباشرة، بل تتطلّب دوراً طليعياً وريادياً لمجموعة صغيرة قد لا تشكّل نخبة بالمعنى الفكري بالضرورة. وفي الحقيقة أنا أفضّل الاعتماد هنا على مفهوم المجموعة الصغيرة أو الخلية الريادية عوضاً عن مفهوم النخبة الذي غالباً ما يثير تداعيات ذهنية ونفسية غير مناسبة.

المهم، يمكن لنشاطات هذه المجموعة الصغيرة أو الخلية الريادية أو العينة الثورية، أن تثير رغبة في التقليد عند الناس في حال تحقّقت شروط معينة تتعلّق بالرسالة والنشاطات والشخصيات قيد الاعتبار، وبعوامل أخرى مثل التوقيت أيضاً، إلى آخر ما هنالك.