الفرد والإنكار

13 تشرين الثاني، 2006 / مدونة “أقوال وأفكار”

بعضهم ينكر وجود البؤس بالإشارة إلى الشمس، وينكر وجود الشمس بالإشارة إلى البؤس. فرانتز كافكا، اليوميات (1883-1924)

حوار

ابن رشد: المهم هنا هو الانكار، فالهدف هو تبرير موقف مسبّق ما.

ابن خلدون: أو قد تكون هي مجرّد محاولة للحثّ على النظر إلى الوجه الآخر من المسألة. أو قد تكون المسألة إسلوباً تفاوضياً ما الهدف منه الوصول إلى اتفاق ما، أو التهرّب منه.

ابن رشد: لكنا نتكلم هنا عن البؤس والشمس بالذات، البؤس والشمس من وجهة نظر كاتب أدبي، وليس من وجهة نظر محلّل إجتماعي، إي أننا أمام إنسان يريد بالفعل تسليط الأضواء على مسألة بعينها، وليس مجرّد تصوير آلية تفاوضية أو تحريضية ما.

ابن خلدون: الانكار بحد ذاته آلية تفاوضية، أليس كذلك؟

ابن رشد: نعم، وهو أيضاً آلية هجومية، لكن، وهذا أهم، خاصة في سياق ثقافتنا المعاصرة، الانكار هو محاولة جادة لتبرير التمسّك بالواقع الراهن والتهرّب من مسئولية التغيير. الناس يشيرون إلى وجود البؤس طمعاً في الخلاص، لكنهم يسارعون بالإشارة إلى الشمس تهرّباً من مسؤوليتهم في كسب وصناعة هذا الخلاص.

الكندي: الانكار –  كيد المستضعفين وطريقتهم في التعبير عن حنكتهم. لا تعدم المخيلة الإنسانية أسلوباً أو وسيلة للتهرب والتملّص إلاّ واتبعتها. فالثورة خيار النخبة، ولا يتبنّاها المجتمع إلاّ بالفرض. علينا جميعاً أن نعيد قراءة تاريخ الثورة الفرنسية، فهي لم تبدأ بحادثة الباستيل كما يحلو لبعضنا أن يعتقد، وإن كان الوعي الشعبي والتاريخي بها يبتدأ انطلاقاً من هذه الحادثة.

ابن رشد: لا شكّ في أن هناك فترة تحضيرية نخبوية الطابع لأي عملية تغيير شعبية، لكن كسر حاجز الخوف وهزيمة آلية الانكار لا يتحقّقا بالضرورة عن طريق الفرض، ولا عن طريق التحريض المباشر، بل عن طريق العدوى. الناس ترغب في التغيير، وترغب به في العمق، لكن الخطوات الأولى لا يمكن لها أن تتم بشكل شعبي مباشرة، بل تتطلّب دوراً طليعياً وريادياً لمجموعة صغيرة قد لا تشكّل نخبة بالمعنى الفكري بالضرورة. وفي الحقيقة أنا أفضّل الاعتماد هنا على مفهوم المجموعة الصغيرة أو الخلية الريادية عوضاً عن مفهوم النخبة الذي غالباً ما يثير تداعيات ذهنية ونفسية غير مناسبة.

المهم، يمكن لنشاطات هذه المجموعة الصغيرة أو الخلية الريادية أو العينة الثورية، أن تثير رغبة في التقليد عند الناس في حال تحقّقت شروط معينة تتعلّق بالرسالة والنشاطات والشخصيات قيد الاعتبار، وبعوامل أخرى مثل التوقيت أيضاً، إلى آخر ما هنالك.