مشهد من اجتماع الجامعة العربية الذي جرى في شرم الشيخ في 28 أذار، 2015
هناك تعارض في العمق ما بين التفكير العقائدي أو الإيديولوجي، والتفكير المصلحي، ولعل تفوّق العقيدة على المصلحة عند كل تعارض هو أحد الأسباب الأساسية التي تجعلنا نشكّك في فرص نجاح أية مبادرة عقلانية للتغيير فيها. لكن التشكيك لا يبرّر الخنوع والاستسلام، لأن مستقبل المنطقة، إن أردنا له أن يكون واعداً، ما يزال يعتمد وإلى حدّ كبير على قدرة نخبها الفكرية والسياسية في تغليب النزعة العقلانية المصلحية على النزعات العقائدية غيرالعقلانية بجوهرها.
صورة من الاحتفالات في ساحة أومونيا في أثينا قبيل فوز حزب سيريزا اليساري بالانتخابات اليونانية في كانون الثاني 2015.ـ
لقد صوّت اليونانيون مرتين ضد سياسات التقشف، مرة حين انتخبوا حزب سيريزا ومرة حين صوتوا بـ “لا” في الاستفتاء الأخير. لكن سيريزا لم يتمكّن من إلغاء سياسات التقشف، فازداد بالتالي الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد سوءاً في الأشهر التالية لانتخابه. والآن، وما لم تكن ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي على استعداد لتقديم تنازلات صعبة، أي ما لم يكن موقفها التفاوضي السابق للاستفتاء مجرد محاولة للخداع، سيجد اليونانيون أنفسهم أمام سياسات تقشّف أسوأ من سابقاتها، وقد يؤدي هذا الوضع إلى تفكّك كارثي وانهيار للدولة.
أبطال الثورة – لوحة ديجتالية لـِ عمار عبد الحميد من سلسلة “عن الحرية والثورة” حقوق الطبع محفوظة.ـ
عقلية الضحية
يشكّل الاقتناع المستمر لكل شعب وجماعة من شعوب وجماعات منطقتنا الشرقأوسطية بإنهم أبداً ضحايا لظلم الآخرين لهم إحدى المشاكل العويصة التي تواجهنا في المنطقة اليوم. إذ لا يبدو أنه بوسع أي من مكوّنات المنطقة الديموغرافية، بصرف النظر عن كيفية تعريفها، سواء كان دينياً أو قومياً أو قبلياً أو سياسياً، أن ترى الظلم الواقع منها أو الممارس باسمها، ولا أن تعترف بأية مسؤولية لها فيما تعرّضت له من ظلم، سواء من خلال التقصير، أو سوء الإدارة، أو تفشّي الجهل، أو تبنّيها لقوالب فكرية وسياسية جاهزة أو مستوردة بلا أية مراجعة حقيقية لها، إلى آخره من أسباب. لا. شعوبنا فيما يبدو بحاجة ماسّة لتشعر بأنها مظلومة دائماً، وأن الظالمين فيها عملاء كلهم، أو مستعمرون، شخصيات فاقدة الانتماء لم تفرزهم بيئاتنا أو ثقافاتنا المحلية، بل هبطوا من المريخ، أو خرجوا إلينا من غياهب الأرض.
الشهيد – لوحة ديجتالية لـِ عمار عبد الحميد من سلسلة “عن الحرية والثورة” حقوق الطبع محفوظة.ـ
استناداً إلى خبرتي المتواضعة كإنسان، أعرف تماماً بأني لست منزّهاً عن نزعة الثأر والتشفّي، وعن الرغبة في رؤية من شمت فينا في مرحلة ما وهو يدفع ثمن شماتته اليوم. لكني، واستناداً إلى ذات الخبرة، أعرف أيضاً أن الرغبة بالثأر والشماتة نزعة عدمية لاتؤدي إلا إلى المزيد من الخراب. لذا، ها أنا أقاومها، ولا أستسلم، ولا أسمح لها أن تملي عليّ أفعالي وسلوكياتي واستقراءاتي وأفكاري وخطابي، السياسي منه والاجتماعي. فأنا لست حالماً أو ساذجاً، كما يعتقد البعض، لكني أيضاً لست عدمياً.