في وقت يتكاثر فيه الكلام عن المتشدّدين والمعتدلين أرى أنه من الضروري أن نحاول الاتفاق على تعريف واضح للمصطلحين علّنا بذلك نتمكّن من تحديد بعض أوجه التحديات التي تواجنا في هذه المرحلة. وفيما يلي، مقاربة خاصة في هذا الصدد:

في وقت يتكاثر فيه الكلام عن المتشدّدين والمعتدلين أرى أنه من الضروري أن نحاول الاتفاق على تعريف واضح للمصطلحين علّنا بذلك نتمكّن من تحديد بعض أوجه التحديات التي تواجنا في هذه المرحلة. وفيما يلي، مقاربة خاصة في هذا الصدد:

لولا البعد الإنساني للموضوع، أي لولا كل هذا القتل، وهذا الموت، وهذا الدمار، وهذا التشرد، لكان من الأسهل عليّ أن أؤكد أن كل ما يجري على الأرض اليوم يبشّر بمستقبل أفضل، بل ويمهّد له. لكن هذه حقيقة مايجري بالفعل، تقبلناها بسهولة أو صعوبة أم لا. هذه التضحيات التي نبذلها لن تذهب سداً، لا، فهاهي عصبياتنا التي طال احتقانها في أجوافنا تفرغ شحناتها السامة في الأجواء، وستتلاشى هذه السحب الزُّعاف وتتبعثر مع الأيام، تاركة ورائها الثمار الحقيقية لهذه المحنة: وعي أفضل لما نمثل وما نريد. أو، على الأقل، سيصبح احتمال تشكّل وعي من هذا النوع أكبر مما كان سابقاً، هذا إن بذلنا بعض الجهد لفرزه. فليُعْلِمَ الجاهلُ المثقفَ بالأمر.

مايزال السؤال مطروحاً: كيف سنتعامل كنخب ثقافية وسياسية مع التطورات المأساوية الجارية حالياً في سوريا والمنطقة؟ هل سنقوم بمراجعة الأفكار والعقائد والسياسيات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه ونبدأ بطرح أفكار جديدة واختبار آليات مناسبة لتفعيلها؟ أم هل سنكتفي بصياغة ندبيات جديدة أسوة بالكيفية التي تعاملنا بها في السابق مع القضية الفلسطينية؟ مايزال السؤال مطروحاً.
لا، لم يأتِ إعلان داعش عن قيام الدولة الإسلامية وعن “تعيين” خليفة جديد للمسلمين جميعاً كتطور فريد من نوعه في أزمنتنا الحديثة، لكنه مع ذلك ليس بالتطور العادي، إذ من المتوقع أن يستجيب عدد لابأس به من الحركات الجهادية حول العالم لدعوة داعش لها لإعلان البيعة للخليفة البغدادي، بل لاشك عندي في أن قادتها سيسارعون إلى تقديم فروض السمع والطاعة لـ “أمير مؤمنين” عصرنا هذا، فـ “الانتصارات” التي حققتها الدولة مؤخراً في العراق وسوريا، أو بالأحرى، تلك التي نُسبت إليها، أعطتها زخماً لايُستهان به، وثروة نقدية طائلة سيتم توظيفها ولابد في شراء الولاءات، كما جرت العادة. كل هذا، والأحداث تجري تباعاً في منطقة ذات رمزية تاريخية كبيرة في ذاكرة المسلمين، لا في بقعة نائية من العالم.
