حقاً؟ وماذا عن الهند مثلاً، بنظامها الطبقي المخيف، وارتفاع معدلات الأمية والفقر فيها؟ بل ماذا عن أميركا ذاتها والتي يشتهر شعبها بجهله بالثقافات الأخرى؟ في الحقيقة، علمتنا التجربة أن الأنظمة الديموقراطية لا تقوم على المعرفة النظرية بقدر ما تقوم على احترام الحقوق وعدالة القوانين والاصرار على التداول السلمي للسلطة ومن خلال الانتخابات الدورية المفتوحة والمراقبة شعبياً. ولا يمكن للشعوب أن تتعلم معنى هذه الأمور إلا من خلال الممارسة العملية، مهما كانت صعبة ومحفوفة بالمخاطر.
Author: Ammar
شعوب خاملة أم شعوب مهملة؟
هناك اعتقاد فيما يتعلق بشعوب الشرق الأوسط ما يزال يجد قبولاً واسعاً في الكثير من الدوائر الأكاديمية في الغرب، هذا إن لم نقل أنه يجد انتعاشاً جديداً هذه الأيام، ذلك علاوة على قبوله المستمر كإحدى المسلّمات النادرة التي يعتنقها معظم مثقفي الشرق الأوسط، ألا هو الاعتقاد بعدم جاهزية الشعوب الشرقأوسطية، ثقافياً وحضارياً، للقيام بثورات شعبية ضد أنظمتها الحاكمة، مهما غالت هذه الأنظمة في ظلمها وفسادها، ومهما تفاقمت أزماتها السياسية والاقتصادية. إن مشكلة هذا الاعتقاد الجوهرية لا تكمن في عنصريته أو فوقيته أو عنجهيته وحسب، بل كذلك في عدم قيامه على أي تحليل علمي حقيقي للظاهرة قيد “البحث.” إذ يكتفي معتنقو هذه النظرية بالتنويه إلى غياب الثورات الشعبية عن واقعنا السياسي في العقود الماضية لإثبات نظريتهم، قبل أن ينتقلوا إلى سرد ممجّ لبعض المبررات المتخيلة لها، مثل الدور السلبي لرجال الدين وللفكر الديني في مجتمعاتنا عموماً، والنشاطات التفتيتية للأنظمة الحاكمة، والانتهاك المستمر لحرمات السيادة والكرامة الوطنية من قبل القوى الخارجية، إلى غير ما هنالك.
النظام أم المعارضة؟
لا، ليس هذا هو الخيار الماثل أمامنا اليوم، الخيار الحقيق هو خيار بين حالة الاحتضار الراهنة وبين الرهان على ضرورة التغيير الجذري وعلى كافة الأصعدة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك بالرغم من ضبابية الرؤى المطروحة وانفتاحها على كل أنواع الاحتمالات. وإذا كانت أذهان الناس اليوم ما زالت مزدحمة بالكثير من علامات الاستفهام فيما يتعلق بالمعارضة، كمفهوم وشخصيات وتنظيمات، فإن علامات التعجب المتطاثرة باضطراد والتي تحيط بطبيعة ونشاطات الأنظمة الحاكمة فيها ما يكفي من إدانة للواقع الراهن، لكي يبدأ الناس بالمراهنة الفعلية على ضرورة التغيير. لكن لا يمكن لهذه المراهنة الفكرية أن تتحول إلى عمل، إلا من خلال طرح تحريضي إيجابي المضمون، طرح يحتوي على تأييد ووصف لواقع جديد ممكن وضروري، وليس مجرد رفض لما هو كائن.
من المسؤول؟
هل يمثل الانطباع السائد بين طبقات “العامة” لشعوبنا الشرقأوسطية، والذي يبرأ حاكم البلاد من جريمة المشاركة المباشرة في عمليات الفساد والقمع الممارسة ضد الشعب في كل يوم، وذلك من خلال الاصرار على جهل الحاكم المطبق حيال استشراء هذا الظاهرة بين صفوف حاشيته من كبار المسؤولين وصغارهم، أو على عجزه عن معالجتها بفعالية كونها تمسّ كل من حوله، حتى أفراد عائلته الأقربين… هل يمثل هذا الانطباع قناعة شعبية حقيقية وراسخة؟ أم هل هي مجرد قناعة تكتيكية تسمح لصاحبها بالتعلّق بهدب أمل ما، مهما كان هلامياً، في ظل غياب قيادات ورؤى شعبية حقيقية قادرة على سد فراغ الأمل وتحريض الناس على التفكير الجدي بقدرتهم على تحقيق مستقبل أفضل والحاجة الملحة على العمل والتضحية من أجله؟ هل تقع مسؤولية التقصير هنا على عاتق “عامة الناس” حقاً؟ أم هل كانت مشكلتنا دائماً مشكلة تلك “النخب القائدة،” الحاكمة منها والمعارضة، التي تصر على التكلم باسم الشعوب وهي لا تمثل في الواقع إلا همومها ومصالحها الخاصة؟